تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
كان بعضهم يقول : يحتمل رجوع الخيانة هنا إلى أمرين : خيانة فيما هو حق اللّه كقتل الحرابة فإنه حق لله لا يجوز فيه العفو . وخيانة فيما هو حق لآدمي كقتل القصاص فإنه يجوز فيه العفو ، ويحتمل رجوعها إلى ثلاثة أمور : خيانة في حق اللّه الراجع للاعتقاد القطعي العقلي القلبي ؛ كقول المعتزلة : إن العبد يستقل بفعله . خيانة في حق اللّه الراجع للاعتقاد الظني كاعتقاد صحة المعاد . وخيانة فيما هو حق الآدمي مستفاد من الشرع . ابن عرفة : كقتل القصاص ، والخيانة يتعدى إلى المخون بنفسه ، وإلى المخون فيه بحرف الجر ، كقوله : خان زيد عمرو في ماله ، فإن قلت : فلم عدى الفعل أولا للمخون له وثانيا للمخون فيه ؟ ؛ لأنه قال
لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فعداه للمخون ، ثم قال
وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
فعداه للمخون فيه بنفسه ، فما السر في ذلك ؟ قال : والجواب أن الأول لما كان حقا لله كان كالمستعظم فيه ذا الحق فذكر ذو الحق وهو المخون دون المخون فيه ، ولما كان الثاني حقا للآدمي كان الاستعظام فيه أوقع في النفوس من استعظام صاحب الحق ؛ لأن حرمة المال ومحبته أوقع في النفوس من محبة صاحبه ، أو تقول في الأول لما كان المخون له أعظم مما فيه الخيانة وأشرف كان ذكره أبلغ في النفس بخلاف الثاني ، أو يجاب بأنه على حذف مضاف ؛ أي وتخونوا ذوي أماناتكم . قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ .
قال ابن عرفة : قدم المال على البنين وهو عرف القرآن في غير ما موضع ، ولم يرد ما يخالفه في سورة آل عمران في قوله تعالى :
مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
[ سورة آل عمران : 14 ] ابن عرفة : وكان بعض الشيوخ يحكي أنه رأى بعض أهل السواد يمشي بأولاد كثيرين بعضهم يحمله على عنقه ، وبعضهم بين يديه ، وبعضهم يمشي معه ، ويقول : ارحموا من خالف كتاب اللّه عن ذلك ، فقال : اللّه يقول
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ
[ سورة الكهف : 46 ] فقدم المال على البنين ، وخالفت أنا نصه فقدمت البنين على المال . قال ابن عرفة : وأخذوا من هذه الآية تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر ؛ لأن المال سبب في الفتنة . قوله تعالى :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .