تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
أي : أنزلنا القرآن عليكم لئلا تقولوا : أنزلنا الكتاب على موسى ولم ينزل علينا ولا قرأه علينا أحد من الطائفة المنزل عليهم بحيث نسمعه ، والكتاب هنا واحد بالنوع فيتناول هنا اليهود والنصارى . قوله تعالى :
فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ .
القرآن بينة لكونه بإعجازه شاهدا على صدق الرسول فالرسول مدع له على دعواه ، بينة وهدى ؛ لأنه مرشد إلى الطريق الحق ، ورحمة إشارة إلى أن بعثه الرسل وإنزال الكتاب محض تفضل من اللّه تعالى أن لا يجب عليه شيء . قيل لابن عرفة : أو يريد البينة دليل التوحيد ، وبالهدى الأحكام ، وبالرحمة المواعظ والمذكرات على الثلاثة . قوله تعالى :
سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ .
قال ابن عرفة : تقدمنا فيها سؤال أن التكذيب بالآية أعم من الصدف عنها ؛ لأن المكذب بالآية قد يصدف وقد لا يصدف ، والمصدف هنا مكذب بها لا محالة ، وترتيب الجزاء على الأعم يستلزم ترتيبه على الأخص من باب أحرا ، فهلا قيل : سنجزي الذين [ 33 / 160 ] يكذبون بآياتنا سوء العذاب ؟ ، قال : وعادتهم يجيبون بأن الصدق أعم وبيانه بامتثال إذا سألت عن القراءة على زيد ، فتقول : إنه لا يدري شيئا بوجه ، فهذا التكذيب يستلزم الصدق بلا شك ، وتارة تقول للسائل بالإجابة لك بالقراءة عليه : اترك ذلك واشتغل بما هو أهم عليك فأنت صدقته ولم تكذب بعلمه ، ويحتمل أن يكون معتقدا علمه وكرهت قراءته عليه ، ويحتمل أن يكون معتقدا أنه جاهل فظهر أن الصدق أعم من التكذيب . قيل لابن عرفة : بأن ذلك لو رتب على الأخص مطلق الجزاء فلا يرد السؤال إلا لو قيل :
سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا ،
وهنا إنما رتب على الأخص من العذاب ، فقال : بل الأخص هو أخذ سوء العذاب لا العذاب . قوله تعالى :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها .
قرئ لا تنفع . قال ابن عطية : وأنث الفعل ؛ لأن فاعله مضاف إلى ضمير النفس وهي مؤنثة ، ورده أبو حيان بأن ذلك إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه ، كقولهم : ذهبت بعض أصابعه ، قال : وإنما وجهه عندي أنه على تقدير لا تنفع نفسا ثبوت إيمانها