تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قال ابن عرفة : حتى أبلغ في الغاية من إلى ، قال : وهذا تهكم وإخبار بأن إيمانهم به محال ؛ لأنهم إذا أوتوا مثل ما أوتي رسل اللّه فلم يؤمنوا بالرسل وإنما آمنوا بما أوتوا إلا بما جاء به الرسول ؛ فكأنهم يقولون : لن نؤمن أبدا . قوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ .
قال ابن عرفة : المراد الغاية الأخصية لا الأعمية المذكورة أي
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ سورة الإنسان : 3 ] والإسلام هنا بمعنى الإيمان إذا لو لم يكن بمعناه للزم عليه وجود الإيمان دون هداية ، واللازم باطل فالملزوم مثله بيان [ 32 / 156 ] والملازمة ؛ إذ الآية دلت على أن كل وجدت أراده الهداية وجد الإسلام ، والإسلام راجع إلى الأعمال الصالحة ، والإيمان راجع إلى الاعتقاد القلبي وهو مجرد التصديق فلو لم يكن هناك شيء لكانت الهداية مستلزمه لوجود الإسلام الذي هو من فعل الجوارح فيكون الإيمان وجد قبلها دون هداية . قال : والجواب أن الهداية مستلزمة لشرح الصدر للإسلام كأنها مستلزمة للإسلام يكون محصول الإيمان قبل الإسلام . قوله تعالى :
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً .
قال ابن عرفة : كان بعض الشيوخ يقول : إن الضيق راجع إلى أمر محسوس وهو أن المظروف فيه أكثر من الظرف حسا ، والحرج راجع إلى أمر معنوي وهو نفي القابلية عن اتساع الظرف للمظروف إما بعدم خلق الهداية في القلب ؛ وإما بخلق الضد فيه فلا يقبل الهداية ، قال : وكان مثل الضيق الحسي بيت صغير أردت أن تدخل فيه جملا فلم يسعه ، وكذلك دخول الجمل في سم الخياط فإنه يضيق عنه ، ومثل الحرج المعنوي ببيت كبير يسع الجمل حسا [ . . . ] وعدم هدايته لا يسمع بمعنى أنه لا يستطيع يقاوم فيه ؛ فكذلك قلب من أضله اللّه . قوله تعالى :
كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ .
عبر هنا بالإيمان وهو أعم ، وقال قبله
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
فأتى هذا كله على الأصل مثل استعمال الأخص وهو الأعم في الثبوت والأعم في النفي ،
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[ سورة البقرة : 17 ] . قوله تعالى :
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً .
الإشارة إلى مطلق حكم اللّه الأعم في إضلال من أضل اللّه وهداية من اهتدى .