فإذا كان ضد الخير عظيما لزم أن يكون الكبير عظيما أعظم من الكبير قطعا ؛ لأنه إذا انتفى عن العذاب اسم الحقارة ثبت له نقيضه وهو العظيم ، وإن كان في نفسه صغيرا ، وإذا انتفى ما فوق الحقارة ، وهو الصغر ثبت له ما فوق ذلك وهو الكبر فكان أعظم من العظيم ، قلت : هذا عند مالك خلافا لأبي حنيفة فإنه أجاز الصلاة بأنه العظيم أو السميع أو الكبير أو نحو ذلك ، والزمخشري حنفي المذهب .
قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ .
قال ابن عرفة : ذكر أولا المؤمنين وأهل التقوى والصفات الحسنة ، ثم ألف بين أهل الضلال والصفات القبيحة ، ثم المتصفين بأقبح من ذلك وهو الصنف والموجب للحلول في الدرك الأسفل من النار .
أو يقال : ذكر أولا من اتصف بالإيمان البسيط ، ثم اتصف بالكفر البسيط ، ثم اتصف بالدين المركب من الأمرين ظاهرا والكفر باطنا ، والمركب متأخر عن البسيط في الرتبة والألف واللام في الناس للعموم ، في أنواع بني آدم .
ومن للتبعيض في أشخاص تلك الأنواع ، وهذا القول إما من اليهود أو من المنافقين ، فإن كان من اليهود فهو قول حقيقي موافق للاعتقاد ، ومعناه : من الناس من يقول : آمنا بوجود اللّه واليوم الآخر ؛ لأنهم قد ادعوا الشرك ، فقالوا : عزير ابن اللّه ، وقالوا : إن اللّه ثالث ثلاثة ، فإن كان من المنافقين فمعناه : ومن الناس من يقول آمنا بوجود وحدانية اللّه .
ويجري هذا على اختلاف في كلام النفس هل يمكن فيه تعمد الكذب ويكون الاعتقاد فيه مخالفا للعلم أو لا يمكن ذلك ؟ وهي مسألة تكلم عليها الأصوليون لما قسموا العلم إلى تصور وإلى تصديق .
فإن قلنا بجواز الكلام النفسي فيكون هذا قولا حقيقيا بألسنتهم ، وقلوبهم وإن منعنا وقوع الكذب فيه فيكون قولا باللسان فقط .
قال : وانظر كيف لم يصرحوا بالإيمان بالرسول مطابقة بل عبروا بلفظ يدل عليه باللزوم لا بالمطابقة ؟ لأن مقصودهم كف الأذى عنهم لا الإيمان حقيقة .
قال ابن عطية : في الآية رد على الكرامية في قولهم : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب .