ابن عرفة : لما تضمن الكلام السابق أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم شيئا عقبه ببيان عاقبة ما ينفقون من أموالهم ، وهذا إما إبطال لها من أصلها واو إبطال بشرتها ؛ لأن المال في الدنيا تارة يكون البخس فيه بعدم حركته ، وترك التجزئة وتارة يكون البخس فيه من حوالة الأسواق فيه بالخسارة ، وهو ظاهر في التشبيه هنا ، وهل هو تشبيه مفرد بمفرد ، كقوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
[ سورة البقرة : 177 ] ففيه حذف شيء واحد إما من الأول ، أو من الثاني ، أو من حذف التقابل وشبه فيه إنفاقهم وإحباطهم في الآخرة بالزرع الأخضر ، وإهلاكه بالريح ، ونقل ابن عطية : أن المراد ظلموا أنفسهم بالحرث في غير وقت الزراعة ، ولا يبعد أن هؤلاء أنفقوا مالهم في غير محل الإنفاق ؛ لأن شرطه وقوع الإيمان منهم ، والفرض أنهم كفار ، ولكن أنفسهم يظلمون .
ابن عرفة : تقدمنا الجواب بأنه روعي فيه مقتضى اللفظ ، لقوله تعالى :
يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا
فعبر عنها بلفظ الحضور وهو اسم الإشارة فناسب إسقاط كان المقتضية للمعنى والانقطاع ، وآية النحل ليس فيها ما يدل على الحضور بوجه ، وأجاب الأستاذ أبو جعفر الزبير : بأن آية النحل في قوم مضوا ؛ لأن قبلها
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ سورة النحل : 33 ] ، وأما هذه فهي للمعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم فناسب إسقاط كان ، وتقديم المعمول عنها لرؤوس الآي وليس هو للحصر ؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا .
قال ابن عطية : اختلفوا ، فقيل : نزلت في قوم مؤمنين كان لهم خلقا في الجاهلية وبقوا على عهدهم معهم في الإسلام ، وقيل : نزل في حالة المؤمنين مع المنافقين .
قال ابن عرفة : فإن قلنا : إن المؤمنين كانوا يعلمون أعيان المنافقين فظاهر ، وإن كانوا غير معلومين لهم لزم تكليف ما لا يطاق ، فالقول الأول أصوب .
قوله تعالى :
مِنْ دُونِكُمْ .
أي من غيركم ، ابن عطية : ومنه قوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم " ما من خليفة إلا وله بطانتان ، بطانة تأمره بالخير ، وبطانة تأمره بالشر والمعصوم من عصمه اللّه " فقال ابن عرفة : يحتمل أن يكون كلية ، وإن كل خليفة له بطانتان ، ويحتمل أن