تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
قوله تعالى :
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ .
الضمير عائد على القتال إما لقربه ، وإما لأنه إنما يعود على الكتب باعتبار متعلقه ؛ لأنهم لا يكرهون الكتاب لذاته ، والكراهة هنا ليست بمعنى البعض بل بمعنى العور منه وصعوبته على النفس كصعوبة الوضوء في زمن البرد ، فيكرهه المكلف كذلك ، لا أنه يبغضه . قوله تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .
قال أبو حيان : عسى الأولى للإشفاق ، والثاني للرجاء . ابن عرفة : المناسب العكس ، فإن المستقبل في الأولى خير وانتظاره جائز ، والمستقبل في الثانية شر فانتظاره إشفاق وخوف ، قيل : إنما المعتبر ما دخلت عليه أن ، فقال : نعم لكن صفته واحدة وقيده والأول معلوم للإنسان ، وإنما يعلم الحاضرين فيصر عليه المستقبل ، فإن كان المستقبل خيرا ترجى دوامه ، وإن كان شرا أشفق وخاف من دوامه ، قال أبو حيان : وكل عسى في القرآن للتحقيق يعنون به الوقوع ، إلا قوله تعالى :
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ
[ سورة التحريم : 5 ] [ 13 / 60 ]
أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ
ابن عرفة : بل هي أيضا للتحقيق لما تقدم من أن القضية الشرطية تقتضي صحة ملزومية الجزاء للشرط ولا تقتضي الثبوت والوقوع ، والقضية الجملية تقتضي الثبوت والوقوع ، أو يعم الوقوع في الآية باعتبار أن المتكلم بهذا الشرط والرجاء واقع من اللّه تعالى . قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ .
قال ابن عرفة : والآية تدل على أن جميع الأحكام الشرعية تعلل ، وذلك أنهم اختلفوا في التعبدات فذهب جماعة منهم : الشيخ عز الدين إلى أنها الأحكام التي لا تدرك لها علة ، وفي بعض كلام ابن رشد وكلام المتقدمين ما يدل على أنها الاجتماع التي لا علة لها ، والآية تقتضي أن الأحكام كلها متعللة ؛ إلا بها لمصلحة ؛ لأنها خرجت مخرج التعيين على كمال المبادرة إلى امتثال الأحكام الشرعية ، فدل على أن المراد واللّه أعلم ما في ذلك من المصلحة ، وأنتم تعلمونها فعليكم إن كانت بالقبول . قوله تعالى :
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
قال ابن عرفة : يصح أن يكون في موضع الحال ، قيل له : علمنا حادث لا كما مع علم اللّه القديم ، فقال : حال مقدرة ، ثم قال : التحقيق إما أن جعلنا الجملة في موضع الحال ، فتكون سالبة ؛ لأنها لا تقتضي وجود
تفسير ابن عرفة — صفحة 260 | ابن عرفة