مجيء البينات ، فهلا عطفه بالواو ؟ وأجيب : بأن الفاء تقتضي السبب فقصد التنبيه على أنهم ضلوا بسبب هذه الآيات التي كانت سببا في هداية غيرهم ، قال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ سورة البقرة : 26 ] لا سيما مع مذهبنا أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي ، وعبر بأن دون إذا يتبرأ عن الزلل حتى كأنه غير واقع .
قوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .
قيل لابن عرفة : هل يؤخذ منه إثبات هاتين الصفتين لله تعالى بالسماع ؟ فقال :
إنما المراد العلم يلازم ذلك وهو العقوبة والانتقام ممن ذل .
قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ .
قال أبو حيان : قيل : بمعنى ينتظرون فيتعدى إلى واحد بنفسه ، ولو كانت من نظر العين لتعدت بإلى ، وأضيفت إلى الوجه ، مثل :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ سورة القيامة : 22 - 23 ] ورده أبو حيان بجواز كونها منه ، وإلى محذوفة ، وحذف حرف الجر مع أنه كثير وقياس مطرد ولا يلزم إضافتها إلى الوجه ، بل قد يضاف إلى الذات ، قال تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
[ سورة الغاشية : 17 ] ،
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ سورة الأعراف : 143 ] ، وقدر ابن عرفة هذا التعقيب بأنه إن أراد أن المنظور إليه لا يكون إلا الوجه فباطل ، بقوله :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ
[ سورة الغاشية : 17 ] ، وإن أراد أن النظر بالنسبة لاعتبار الفاعل لا إلى الوجه ، فيقال : نظر وحي إلى كذا فباطل أيضا .
ابن عرفة : وتبطل أيضا من وجه آخر ، وهو أن المنظور إليه هنا هو الإتيان المفهوم من قوله :
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ،
والإتيان معنى من المعاني ؛ لأنه مصدر والمعاني لا ترى بوجه إلا باعتبار الجواز العقلي لكونها موجودة ، والوجود مصحح للرؤيا ، فإن قلتم : نرى إتيان الشخص ؟ قلنا : إنما رأيت الشخص الآتي لا إتيانه ، فإن قلتم : إنه عرض ؟ قلنا : العرض الذي هو اللون مرئي ، وأما الراعية والعلم أو القدرة فليس بمرئي بوجه ، فالصواب أن النظر هنا بمعنى الانتظار ، ومعناه أن حالاتهم تقتضي انتظارهم العقوبة ، لأنهم يقصدون ذلك ، وفي هذا عقوبتان : حسية ، ومعنوية ، لأن وجود السحاب مظنة الرحمة بالمطر ، قال تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ
[ سورة الأحقاف : 24 ] ، وقال تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ