قال الزمخشري : كما تقول : كذكر قريش أيامهم أو قوم أشد ذكرا ، قال : ويكون أشد في موضع نصب على عطف آباءكم ، أو أشد ذكرا من آباءكم على أن ذكر من فعل المذكر ، انتهى .
واختلف في تفسيره ، قال أبو حيان : معناه أنك إذا عطفت أشد على آباءكم ، كان التقدير أو قوما أشد من آباءكم ، والقوم مذكرون ، والذكر الذي هو بعد أشد هو فعلهم ، وأي من فعل القوم المذكورين ؛ لأنه جاء بعد أفعل الذي هو صفة للقوم ، أي أو قوما أشد من ذكركم لآباءكم .
ابن عرفة : فمعناه شدة أو كذكركم قوما ذاكرين اللّه بذكر هو أشد ذكرا من الأذكار ، وكمن يذكرون بها آباءكم ، فجعل القوم المذكورين ذاكرين وهو بعيد ، وقال الطيبي : أراد الزمخشري أن معناه أو كذكركم قوما مذكورين ذكر هو فذكر هو أشد ذكرا ، وفقوما مفعول وأشد صفته ، فوصفوا بالأشدية من حيث كونهم مذكورين ، أي كذكركم قوما ذكر من يذكر فهو أشد ذكرا .
ابن عرفة : واعلم أن أفعل من أن انتصب تميزها كانت من صفته ، وأن الخفض كانت من صفة الاسم الذي قرن عليه بقول : زيد أحسن عبدا بالنصب ، وأي زيدا يملك عبيد اللّه أحسن من عبيد غيره ، وإن خفضت كان معناه أن زيدا في نفسه أحسن عبيد اللّه تعالى ، ففي الآية هنا على كلا التفسيرين جعل الذكر ذكر مبالغة ، مثل : جد جده ، وشعر شعره ، أي ذكرا شبيها بذكر آباءكم أو ذكرا أشد ذكرا ، فالأشدية من صفة ذكر المتأخر ، وهو غير الأول فيكون الذكر ذكر إن مبالغة ، فالحاصل أن معناه عند أبي حيان أقوى كذكركم قوما ذاكرين اللّه بذكر ذلك الذكر أشد ذكرا ، أي ذلك الذكر له ذكر أشد الأذكار التي يذكر بها آباءكم ، وعند الطيبي : المعنى أو كذكركم قوما ذكرتموهم فذكر له ذكرا أشد من غيره من الأذكار التي تذكرون بها آباءكم ، يقول الزمخشري :
على أن ذكرا من فعل المذكور ، وهو عند أبي حيان الفعل اللغوي ، وعند الطيبي الفعل الاصطلاحي النحوي ، وكلام الطيبي أصوب ؛ لأن التشبيه بالقوم إنما هو من حيث كونهم مذكورين فأشد الأذكار لا من حيث كونهم ذاكرين فأشد الأذكار .
قال ابن عرفة : وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا ابن عبد السّلام ، وابن الحاجب ، وهكذا كانا يقرآنها ، وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها وتكلم عليها ، وفي قوله تعالى : في النساء :
يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ