عبر بالوقوف بنفسه ، فيقول : ثم قفوا من حيث تقف الناس ، فما السر في ذلك ؟
فعادتهم يجيبون : بأن قريشا كانوا لا يخرجون من الحرم لشرفه ، ويرون الخروج موجبا للوقوع في الإثم ، ويقفون بالشهر الحرام ، كانت الآية ردا عليهم وتنبيها على أن الخروج هنا لا ينقص أجرا ، ولا يوقع في الإثم ، ثم إن الإتيان إلى المحل الشريف من المحل البعيد شعر نهاية تعظيمه وكمال تشريفه ، فقصد التنبيه على الحكم مقرونا بعلة ، وهذا هو المذهب الكلامي عند البيانيين ، ولو قيل : ثم قفوا لما أشعر بالانتقال والخروج عن الحل إلى الحرم بعد الخروج منه فعبر بالإفاضة التي من شأنها أن لا يكون إلا بعد وقوف الإشعار بها ، لانتقال من المحل البعيد ، وهو عرفة ؛ لأنه في الحل إلى هذا الحرم الشريف تكريما له وإجلالا ، فالإفاضة مستلزمة للرجوع إلى الحرم ومشعرة بالوقوف المستلزم إلى الحل .
قيل لابن عرفة : ويجاب بأنه عبر بالإفاضة المناسبة بينه وبين لفظة في أول الآية ، واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ .
المراد القضاء المطلق اللغوي ، وهو فعل العبادة سواء كانت في وقتها أو بعد وقتها ، أي إذا فرغتم من حجكم .
قوله تعالى :
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً .
الأشدية إما في القدر أو باعتبار حضور [ 12 / 56 ظ ] النية ، فالمراد إما الأكابر من ذكره أو كمال الحضور والإخلاص في ذكره وفي إعرابه ستة أوجه :
الأول : قال الزمخشري : أشد معطوف على ما أضيف إليه الذكر ، في قوله :
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
قال الطيبي : وضعفه بعضهم ؛ لأن فيه العطف على الضمير المحقق من غير إعادة الخافض ، قال : ورده قراءة من قرأ :
تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
[ سورة النساء : 1 ] بالخفض أقبح .
رد قال ابن عرفة : وهذا إما كفرا أو معصية ؛ لأنها قراءة حمزة .
ابن عرفة : ومنهم من فرق بين العطف على الضمير المجرور ، وبين العطف على المخفوض بالإضافة ، وأجاز العطف على المضاف من غير إعادة الخافض .