قوله تعالى :
وَتُبْ عَلَيْنا .
الصواب فيه أنه باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه ، فيرى ذلك نقضا يقتضي التوبة منه ، لأن الكبائر منه مستحيلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وكذلك صغار الحسنة بإجماع ، ويحتمل أن يريد إعطاء ثواب التائبين ، إن قلت :
الرحمة سببا في التوبة ، فلم أخرت هاهنا ؟ قلت : لأن الرحمة وسيلة ، والتوبة مقصد ، والمقصد أشرف من الوسيلة .
قوله تعالى :
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ .
أعاد النداء للاهتمام بالسبب ، وزيادة تنبيه على عموم رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم في العرب والعجم ، لأن ضمر الذرية تعم العرب والعجم ، لأن بعض كفار قريش زعم إنه لم يرسل إليهم .
قوله تعالى :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ .
هذا جاء على الأصل في تقديم العلم أولا ، ثم العمل به لأن العلم شرط في العمل ، ولذلك يقال : كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم ، فإن العلم لا يحصل له إلا بالتعلم ، وما يحكى في المسائل عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي الشاذلي وغيره ، إنما هي مسائل جزئية يمكن أن يطلعه اللّه تعالى على حكمها في مرآة يراها مسطورة بين يديه فيجب ما فيها ، أما العلم الكلي من حيث هو حيث يتصدى للإقراء به وتعليمه ، فلم يوجد هذا في العادة لأحد بوجه كذا ، كان بعض الشيوخ يقول : وقدم هذا وفي الحزب الذي يليه بعده يعلمهم على تزكيهم ، وأخرت في سورة الجمعة ، فكان ابن عبد السّلام يقول : إنه يحبب المجالس فكيف تقدم التعليم ؟ لكون تلك الآية نزلت عليه في موضع أكثره عوام ، فتكون التزكية في حقهم أهم .
قوله تعالى :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
ولم يقل : الغفور الرحيم ؟ لأن العزيز : هو الذي ينفد مراده ولا ينفد فيه مراد أحد ، والحكيم : هو الذي تضمنه قوله تعالى : عن :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
« 1 » [ سورة الأنعام : 124 ] وقوله :
وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها
[ سورة الفتح : 26 ] .
هامش
( 1 ) أثبتها في المخطوطة بعد قوله تعالى عن اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته .