مع أن الثابت في نفس الأمر أنهم ودوا عدم نزول الخير لكن ذلك مستفاد من السياق ، فلم يحتج إلى التخصيص عليه .
قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها .
تكلم ابن عطية هنا كلاما حسنا من جملته ، قال : المنسوخ عند أئمتنا هو الحكم الثابت نصه لا ما ذهب إليه المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل وقادهم إلى ذلك مذهبهم أن الأوامر مرادة ، ثم قال : والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ ، وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ، وابن عرفة : قالوا ليس معناه أنه لم يكن مرادا لئلا يلزم عليه كون الأمر عين الإرادة ، وإنما معناه إنه لم يكن متعلق الحكم ، ومنهم من قال : رفع الحكم إن كان يعمل به فهو تخصيص ، وإن كان بعد العمل به فهو نسخ ، وقال ابن عطية : نسخ الأثقل بالأخف كنسخ قال : الواحد للعشرة .
ابن عرفة : والثقل والخفة باعتبار المصالح ، فقد يكون متعلق هذه المصلحة أرجح من تعلق المصلحة الأخرى أو مساو لها ، ولا شك أن وقوف الواحد للعشرة أعظم من ثواب من هو أخف منه ، لكنه قادر وليس بأكثري الوقوع فنسخ بما هو أخف منه وأقل ثوابا لكونه أكثري الوقوع ، فيتعدد ثوابه ويكثر بتعدد وقوعه ، والأخف إلى الأثقل كنسخ صوم عاشوراء وصيام رمضان ، قال : واجمعوا على جواز نسخ القرآن بخبر الواحد ، وقال أبو المعالي : إنه وقع في مسجد قباء لأنهم كانوا يصلون فيه العصر إلى بيت المقدس فمر بهم الصحابة رضي اللّه عنهم فأخبروهم أن القبلة حولت إلى مكة ، فتحولوا في الصلاة ، ومنع ذلك قوم ، وقالوا : إنما نسخ بالقرآن ولا يصح نسخ النص بالقياس .
ابن عرفة : لأن النص المقيس عليه إما أن يكون لذلك النص المنسوخ موافقا أو مخالفا ، فإن كان موافقا فلا نسخ ، وإن كان مخالفا فهو الناسخ لا القياس ولا ينسخ النص بالإجماع لأن النسخ ، إنما يكون في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والإجماع إنما هو بعد وفاته ، قيل لابن عرفة : قد حكى الأصوليون عن أبي سلمة : أنه أنكر وقوع النسخ من أصله ، فقال ابن عرفة : إنما ذلك في الفروع والأحكام الظنية ، وأما باعتبار الملة فلا خلاف بين المسلمين في وقوعه ، وأنه ينسخ ملة بملة ، وأما كلام فيه باعتبار الشخص الواحد هل يصح نسخ الحكم في ملته بحكم آخر أم لا ؟ قولان ، وقوله :