الحقيقة راجع للقسوة ، ابن عطية : أي صلبت وخلت من الإبانة والإذعان لآيات اللّه تعالى ، وقال ابن عباس : المراد قلوب ذرية القتيل لما أخبر من قتله ومات ، قالوا :
كذب .
قال ابن عرفة : فالمراد أنها دامت على القسوة أو زادت قسوتها ؛ لأنهم لم يزالوا قبل ذلك منكرين للقتل ، قال : ويضعف هذا بأنه لما قتل قاتل القتيل انقطعت تلك القسوة قام يتق من هو متصف بها ، وجعل السكاكي هذا من ترشيح المجاز .
قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ .
قال الطيبي : إنها تبديل لما قبلها ؛ لأنها في معناها .
ابن عرفة : الصواب أنه تعليل أو بيان للوجه الذي كانت به أشد من الحجارة ودليل عليه ، وهذا تدلي أو ترقي في الذم ، وهو أولى من العكس ؛ لأن الحجارة التي تتفجر منها الأنهار أن يكونوا أشد قوة من التي تتشقق فيخرج منها الماء ، ويلزم من كونها أشد قسوة من التي تتشقق فيخرج منها الماء أن تكون أشد قسوة من المتفجرة منها الأنهار فلذلك أتى به بعده ، ولو قيل : وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار لكان تأكيدا .
قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ .
قال ابن عرفة : يؤخذ من الآية أن الأفضلية تثبت للجنس ثبوتها لبعض أفراده ؛ لأن الحجارة الموصوفة بذلك هي بعض من كل ، وقد ثبت التفضيل للجميع بقوله :
فَهِيَ كَالْحِجارَةِ
ولم يقل : فهو كالحجارة الموصوفة بكذا ، والحجارة عام إما بالألف واللام ، أو بالسياق وقد فضل عليهم جميع الحجارة ، قيل لابن عرفة : هذا تقسيم مستوفى فليس سؤالك داخل فيه ، فقال : الحجارة التي تتفجر منها الأنهار فالتي تتشقق عن الماء لا قساوة فيها بوجه ، وهم إنما دنوا بمشاركتهم للأحجار في القساوة الزائدة عليها ، فقد فضلت عليهم الحجارة القاسية لكونها من جنس ما هو غير قاس ، فإن قيل له : فكل ما تراه من الأحجار قاس ساقطا من خشية اللّه ، قال الفخر : وهذا مثل قوله تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ سورة الحشر : 21 ] .