عبر بإذا مع أنهم يكرهون لقاء المؤمنين لوجهين : إما لعلم اللّه تعالى أنه لا بد لهم من لقائهم ، وإما لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالتبليغ لهم ولغيرهم فلا بد من لقائه ، وإنما قال :
وَإِذا لَقُوا ،
ولم يقل : وإذا أتوا إشارة إلى أن لقاءهم للمؤمنين إنما يكون فجأة غير مقصود ومن خبثهم أنهم قالوا : آمنا من غير تأكيد فنزلوا أنفسهم البريء الغير متّهم ، ولم يذكروا بمن آمن منهم حتى يبقى الكلام مطلقا يفهمه المخاطب على شيء ويقصد به المتكلم شيء آخر .
قوله تعالى :
قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ .
قال ابن عرفة : هذا من رؤسائهم المنكرين عليهم تصور في الإنكار ؛ لأنهم ما أنكروا عليهم إلا التحدث الموجب للحاجة فمفهومه أنهم أباحوا لهم مطلق الحديث مع المؤمنين لكن يبقى . . . « 1 » [ 5 / 29 ] اللام في يحاجوهم تعليلا للحديث أو للإنكار ، فهل اللام سابقة على الهمزة ثم دخلت الهمزة على الحديث لأجل المصاحبة فأنكرته بعلته ، والهمزة سابقة فدخل التعليل بعدها فكان علة للإنكار فهل حديثهم لأجل الحاجة فهو المنكر ؟ ، والمراد أن الحديث في الإطلاق وأنكر حذف الحاجة به ، وجعل أبو حيان اللام في يحاجوكم للصيرورة بناء عنده على أنه تعليل لحدث ، وإذا جعلناه تعليلا للإنكار يبقى لام من التعليل الحقيقي ، ويكون الإنكار بليغا لا قصور فيه بوجه ، قلت : ورده بعضهم بأنه على هذا يكون المعنى لا تحدثونهم بما فتح الله عليكم لئلا يحاجوكم به عند ربكم ، فيكون الرؤساء أقروا أن للمؤمنين عليهم حجة بذلك يوم القيامة ، وهم إنما غرضهم التوراة على العوام وتنفيرهم عن الإيمان ، فكيف يقرون لهم بصحة هذا الدين ، وإعراب الطيبي عند ربكم بدلا
بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
لأنه ، ورده ابن عرفة : بأنه إنما يكون هو أن لو قيل : ليحاجوكم بما عندكم .
قوله تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ .
من كلام اللّه أو من قول المنكرين ، وعلى هذا حمله ابن عطية على العقل التكليفي ، فقال : العقل علوم ضرورية .
ابن عرفة : والصواب أنه العقل النافع أي أفلا تعقلون من أجل هذا .
قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ .
هامش
( 1 ) بياض في المخطوطة .