ولما كان الإنسان لا يفتخر بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق ، فعلم أن مراده الإشارة إلى أن معه أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك ، إشارة إلى الثانية والثالثة من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له الفخار والامتنان على جميع الموجودات . وإرادته أن يكون عنده من الأموال ما لا تحيط به الأفكار ولا تحويه الأقطار - كما يشير إليه حديث « لو أن لابن آدم واد من ذهب » و « لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » « 1 » علل سبحانه وتعالى جهله في حسابه ذلك وما تبعه بقوله :
يَقُولُ
أي مفتخرا بقدرته وشدته :
أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً *
ولقصد المبالغة في كثرته جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد كركع وراكع فأفهمت أنه بحيث لا يحصى ، بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن يكون بعضه على بعض فلا يعد ولا يحد ، أي وذلك قليل من الكثير الذي معي ، قلدت به أعناق الرجال المنن ، واستعبدت به الأحرار في كل زمن ، فصرت بحيث إذا دعوت كثر الملبي ، وإذا ناديت كثر المجيب ، وإذا أمرت عظم الممتثل ، وفاء لصنائعي الماضية ورغبة في نعمي الباقية ، فمن يستعصي عليّ ومن يخالف أمري ، فضلا عن أن يريد إخمال ذكري أو نقص قدري .
ولما كان الشيء لا يعني إلا إذا كان مجهولا ولو من بعض الجهات ، أنكر عليه هذا الظن على تقدير وقوعه فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به ، بقوله مشيرا إلى شهوته النفسية الرابعة ، وهي أن تكون أموره مستورة فلا يظهر على غيه أحد أصلا :
أَ يَحْسَبُ
أي هذا الإنسان العنيد بقلة عقله
أَنْ لَمْ يَرَهُ
أي بالبصر ولا بالبصيرة في الزمن الماضي
أَحَدٌ *
أي في عمله هذا سره وجهره وجميع أمره ، فينقص جميع ما عمل إذا أراد ، وكل ما فاته من آثار هذه الشهوات الأربع ، وهو لا يزال فائتا له ، كان من إرادة تحصيله في نكد ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه لتحصيله في المهالك ، ولا يحصل منه على ما يرضيه أبدا ، وهذا كناية عن أنه يعمل من المساوىء أعمال من يظن أنه لا يطلع عليه ، فلذلك نبهه اللّه تعالى بأنواع التنبيه ليأخذ حذره ويحرز عمره .
ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره على ما أوجب شهوته الحسية المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له المانّ عليه به من بعض فيضه ، عالما بجميع أمره قادرا على نفعه وضره بنفسه وبمن أراد من جنده ، فقال مشيرا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة الجائلة في العالم الحسي ونظر عين البصيرة الجائلة في العالم
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 168 و 236 والبخاري 6439 ومسلم 1048 والترمذي 2337 عن أنس رضي اللّه تعالى عنه . تنبيه : لفظه ( واد ) كذا في الأصل والصوابوادِياًكما جاء في أصول تخريج الحديث وكما يقتضيه نص اللغة فلعل ذلك تحريف من النسّاخ واللّه تعالى أعلم .