تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
لا يختار واحدة منهما إلا بمعاناة وتكلف كمعاناة من يصعد في عقبة ، والنجد لغة الموضع العالي ، واللّه تعالى يعلي من أراد على ما شاء منهما بخلاف ما كان يقتضيه ظاهر حاله من أنه لا يحب تكلف شيء أصلا ، ولا يريد الأشياء تأتيه إلا عفوا ، وذلك لأجل إظهار قدرته سبحانه وتعالى ، أما صعوبة طريق الخير فبما حفه به من المكاره حتى صار العمل به ، مع أن كل أحد يعشق اسمه ومعناه ، أشد شيء وأصعبه ، وأشقه وأتعبه ، وأما صعوبة طريق الشر فواضحة جدا مع أن اللّه يلزمه لمن أراد بتسهيله وتحبيبه وتخفيفه وتقريبه مع أن كل أحد يكره اسمه وينفر من معناه ، وجعل اللّه تعالى الفطرة الأولى السليمة التي فطر الناس عليها من الاستقامة بحيث تدرك الشر وتنهى عنه ، وتدرك الخير وتأمر به ، غير أن الشهوات والحظوظ تعالجها ، والغالب من أعانه اللّه ، وإلى ذلك يشير حديث « إذا لم تستحي فاصنع ما شئت » « 1 » وحديث « البر ما اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر ، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك » « 2 » . ولما كان معنى ما مضى أن هذا الإنسان عاجز وإن تناهت قوته ، وبلغت الذروة قدرته ، لسبق قوله تعالى :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ النساء : 28 ] وأنه معلوم جميع أمره مفضوح في سره كما هو مفضوح في جهره ، كما أشار إليه حديث جندب رضي اللّه تعالى عنه عند الطبراني « ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها » « 3 » وحديث أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه عند أحمد وأبي يعلى « لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج عمله للناس » « 4 » فهو موصول إليه مقدور عليه ، وأنه كان يجب عليه الشكر على ما جعل له سبحانه وتعالى من القوى التي جعلها لسوء كسبه آلات للكفر ، سبب سبحانه وتعالى عنه قوله تفصيلا للأشياء الموصلة إلى الراحة في العقبى نافيا لفعلها عنه على سبيل الحقيقة دلالة على عجزه :
فَلَا اقْتَحَمَ
أي وثب ورمى بنفسه بسرعة وضغط وشدة حتى كان من شدة المحبة لما يراه فيما دخل فيه من الخير
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 121 والبخاري 3484 وأبو داود 4797 والطيالسي 621 عن أبي مسعود رضي اللّه تعالى عنه . ( 2 ) أخرجه أحمد 4 / 182 مسلم 2553 والترمذي 2389 والبغوي 3494 عن النوّاس بن سمعان رضي اللّه تعالى عنه وفي الباب عن أبي ثعلبة الخشني ووابصة بن معبد رضي اللّه تعالى عنهما . ( 3 ) أخرجه الطبراني في الكبير 1702 عن جندب بن سفيان رضي اللّه تعالى عنه . قال الهيثمي في المجمع ( 10 / 387 - الفكر - ) : رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه : حامد بن آدم وهو كذاب . ( 4 ) أخرجه أحمد 3 / 28 وأبو يعلى 1378 والحاكم 4 / 314 عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه وهذا الحديث ضعّفه الشيخ ناصر في السلسلة الضعيفة 1807 .