تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
كان ، فدخل كما مضى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فصار مقسما به مرارا ، وكذا دخل أبواه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسّلام وما صنعا وما صنع اللّه لهما بذلك البلد ، ومعلوم أن ذكر الصنعة تنبيه على صانعها ، فالمقصود القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه من الجلال ، وخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما خصه به من الإرسال ، وفاوت بين المتوالدين في الخصال ، من النقص والكمال وسائر الأحوال ، تنبيها على ما له من الكمال بالجلال والجمال ، ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتثبيتا له على احتمال الأذى ، إشارة إلى أن من كان قد حكم عليه بأنه لا يزال في نكد ، كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك النكد فيما يرضي اللّه سبحانه وتعالى ، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان في مكة المشرفة في أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه رضي اللّه عنهم لعلو مقامه ، فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر والصفح ، وكل والد ومولود في شدة بالوالدية والمولودية ، وغير ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية ، من حين هو نطفة في ظلمات ثلاث في ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل ؟ من المؤدب والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران ، ومن يتسلط عليه من النسوان ، مع أنه عرضة للأمراض ، وسائر ما يكره من الأعراض والأغراض ، والفاقات والنوائب والآفات ، والمطالب والحاجات ، لا يحظى بهواه ، ولا يبلغ مناه ، ولا يدرك ما اجتباه ، ولا ينجو غالبا مما يخشاه ، وتفاصيل هذا الإجمال لا تحصى ، ولا حد لها فتستقصى ، إلى الموت وما بعده ، فلذلك كان المقسم عليه قوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا
أي بما لنا من القدرة التامة والعظمة التي لا تضاهى
الْإِنْسانَ
أي هذا النوع
فِي كَبَدٍ *
أي شدة شديدة ومشقة عظيمة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف ، لو وكله سبحانه وتعالى في شيء منها إلى نفسه هلك ، ولولا هذه البلايا لادعى ما لا يليق به من عظيم المزايا ، وقد ادعى بعضهم مع ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد - تعالى اللّه عن قولهم الواضح الفساد ، بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض وسائر الأنكاد ، فعل سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز - مع ما منحه به من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - ما له سبحانه من تمام العلم وشمول القدرة ، وليظهر من خلقه له على هذه الصفة ، علم جميع ما في السورة ، فعلم قطعا إنكار ظنه لتناهي قدرته وتعالي عظمته ، وفساد هذا الظن بشاهد العقل من حيث كونه مصنوعا ، وبشاهد الوجود من أجل أنه يسلك طريق الشر ولا يقدر على طريق الخير إلا بالتوفيق ، فعلم قطعا إعجاز السورة لأنه لا قدرة لمخلوق على أن يأتي بجملة واحدة تجمع جميع ما وراءها من الجمل - هذا إلى