بشق الأنفس ، ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حبا ، الدال على أن اللّه تعالى جعلها خير البلاد ، وقذف حبها في قلوب من اختارهم من كل حاضر وباد ، لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد ، ولم يصفه بالأمن لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين ، فإن المراد هناك الكمالات .
ولما عظم البلد بالإقسام به ، زاده عظما بالحال به إشعارا بأن شرف المكان بشرف السكان ، وذلك في جملة حالية فقال :
وَأَنْتَ
يعني وأنت خير كل حاضر وباد
حِلٌّ
أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه
بِهذَا الْبَلَدِ *
فتحل قتل ابن خطل وغيره وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ، وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان وغير ذلك مما فعله اللّه لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة طويلة علما من أعلام النبوة ، أو المعنى : يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما لا يستحلونه من صيد ولا شجر ، وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه تقبيحا لما يستحلونه من أذى المؤمنين فيه ، وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره ، فقد وقع القسم بسيد البلاد وسيد العباد ، ولكل جنس سيد ، وهو انتهاؤه في الشرف ، فأشرف الجماد الياقوت وهو سيده ، ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار نباتا ينمو كما في الجنة ، وأشرف جنس النبات النخل ولو ارتفع صار حيوانا يتحرك بالإرادة ، فالحيوان سيد الأكوان ، وسيده الإنسان ، لما له من النطق والبيان ، وسيد الإنسان الرسل عليهم أفضل الصلاة والسّلام ، لما لهم من عظيم الوصلة بالملك الديان ، وسيدهم أشرف الخلق صلّى اللّه عليه وسلّم الذي ختموا به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا القرآن ، فسيد الخلق محمد بن عبد اللّه رسول اللّه أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام يمكن أن يكون لها ، ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه ، ولكونه أشرف كانت مكابدته أعلى المكابدات ، يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ من السهام ، ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف - نفديه بحر وجوهنا ومصون جباهنا وخدودنا - وهو ساجد ، ووضع الشوك في طريقه ، والإجماع على قصده بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما أوذي أحد في اللّه ما أوذيت » .
ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو في الحقيقة به صلّى اللّه عليه وسلّم ، كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال :
وَوالِدٍ
ولما كان المراد التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان في جميع أمر التوليد ومما عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان السياق لذم أولي الأنفس الأمارة ، وكانوا هم أكثر الناس ، حسن التعبير بأداة ما لا يعقل لأنها من أدوات التعجيب فقال :
وَما وَلَدَ *
أي من ذكر أو أنثى كائنا من