غير ذلك فقال :
وَما
أي والحال أنهم ما
هُمْ عَنْها
أي الجحيم
بِغائِبِينَ *
أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما ، بل هم فيها خالدون جزاء لأعمالهم وفاقا وعدلا طباقا حتى الآن في دار الدنيا وإن كانوا لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا .
[ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 17 إلى 19 ]
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 )
ولما علم أن الوعيد الأعظم يوم الدين ، هول أمره بالسؤال عنه إعلاما بأنه أهل لأن يصرف العمر إلى الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال إيمان وإذعان لا سؤال كفران وطغيان ، ليكون أقعد في الوعيد به فقال :
وَما أَدْراكَ
أي أعلمك وإن اجتهدت في طلب الدراية به
ما يَوْمُ الدِّينِ *
أي أيّ شيء هو في طوله وأهواله وفظاعته وزلزاله . ولما كانت أهواله زائدة على الحد ، كرر ذلك السؤال لذلك الحال فقال معبرا بأداة التراخي زيادة في التهويل :
ثُمَّ ما أَدْراكَ
أي كذلك
ما يَوْمُ الدِّينِ * .
ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه دراية دار وإن عظم وإن اجتهد ، لخص أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على سبيل الإجمال دافعا ما قد يقوله بعض من لا عقل له : إن كان انضممت والتجأت إلى بعض الأكابر وقصدت بعض الأماثل فأخلص قهرا أو بشفاعة ونحوها ، فقال مبدلا من « يوم الدين » في قراءة ابن كثير والبصريين بالرفع :
يَوْمَ
وهو ظرف ، قال الكسائي : العرب تؤثر الرفع إذا أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل ، وإذا أضافوا إلى فعل ماض آثروا النصب
لا تَمْلِكُ
أي بوجه من الوجوه في وقت ما
نَفْسٌ
أيّ نفس كانت من غير استثناء ، ونصبه الباقون على الظرف ، ويجوز أن تكون الفتحة للبناء لإضافته إلى غير متمكن
لِنَفْسٍ شَيْئاً
أي قل أو جل ، وهذا وإن كان اليوم ثابتا لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب ، فتقرر في النفوس أن الموجودين يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون ، وأما هناك فالمقرر في النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذنا ظاهرا ، ولا يكون لأحد فعل ما إلا بإذنه كذلك ، فالأمر كله له دائما ، لكن اسمه الظاهر هناك ظاهر واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور
ولما كان التقدير : فلا أمر لأحد من الخلق أصلا ، لا ظاهرا ولا باطنا ، عطف عليه قوله :
وَالْأَمْرُ
أي كله
يَوْمَئِذٍ
أي إذ كان البعث للجزاء
لِلَّهِ *
أي مختص