تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
فَعَدَلَكَ *
أي جعل كل شيء من ذلك سليما مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه اللّه لها ، وعدل المزاج حتى قبل الصورة ، والتعديل جعل البنية متناسبة الخلقة ، وكذا العدل في قراءة الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن تشويه الخلقة وتقبيح الصورة ، وجعلك معتدلا في صورتك ، وكل هذا يقتضي غاية الشكر والخوف منه إن عصى ، لأنه كما قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره من العذاب .

[ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 8 إلى 16 ]

فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ( 8 ) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 ) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 ) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ( 16 ) ولما أضاء بهذا إضاءة الشمس أنه عظيم القدرة على كل ما يريد ، أنتج قوله معلقا ب « ركب » :
فِي أَيِّ صُورَةٍ
من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان ، ولما كان المراد تقرير المعنى غاية التقرير ، أثبت النافي في سياق الإثبات لينتفي ضد ما أثبته الكلام فيصير ثبات المعنى على غاية من القوة التي لا مزيد عليها ، فقال :
ما شاءَ رَكَّبَكَ *
أي ألف تركيب أعضائك وجمع الروح إلى البدن ، روى الطبراني في معاجمه الثلاثة برجال ثقات عن مالك بن الحويرث رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد اللّه جل اسمه أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فلما كان اليوم السابع أحضر اللّه له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
[ الانفطار : 8 ] » « 1 » فتحرر بهذا أن الإنسان رقيق رقا لازما ، ومن خلع ربقة ذلك الرق اللازم وكل إلى نفسه فهلك . ولما أوضح سبحانه غاية الإيضاح الدليل على قدرته على الإعادة بالابتداء ، وبين تعالى أنه ما أوجب للإنسان ، الخسار بنسيان هذا الدليل الدال على تلك الدار إلا الاغترار ، وكان الاغترار يطلق على أدنى المعنى ، بين أنه ارتقى به الذروة فقال :
كَلَّا
أي ما أوقعكم أيها الناس في الإعراض عمن يجب الإقبال عليه ويقبح غاية القباحة الإعراض بوجه عنه مطلق الغرور
بَلْ
أعظمه وهو أنكم
تُكَذِّبُونَ
أي على سبيل التجديد بتحدد إقامة الأدلة القاطعة وقيام البراهين الساطعة
بِالدِّينِ *
أي الجزاء الذي وظفه اللّه في يوم البعث ، فارجعوا عن الغرور مطلقا خاصا وعاما ، وارتدعوا غاية الارتداع
وَإِنَّ
أي والحال أن
عَلَيْكُمْ
أي ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير 19 / 290 والصغير 106 من حديث مالك بن الحويرث وذكره الهيثمي في المجمع 7 / 134 ( 11472 ) وقال : ورجاله ثقات ا ه .