تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الإعراض عن الأخرى ، قال دالا على إدباره بقلبه :
وَجَمَعَ
أي كل ما كان منسوبا إلى الدنيا . ولما كانت العادة جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه الاكتناز لا الإنفاق ، سبب عن جمعه قوله :
فَأَوْعى *
أي جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول أمل ولم يعط حق اللّه فيه ، فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما وجب من الحق إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة . ولما كان من أعجب العجب أن يقبل على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض بين يدي اللّه والعقاب لمن لم يقبل على عبادته سبحانه ، بين أن ذلك لما جبله عليه سبحانه وأن الإنسان مقهور مع جبلته إلا من حفظه اللّه ، وذلك دال من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه ، قال مؤكدا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم :
إِنَّ الْإِنْسانَ
أي هذا الجنس ، عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولذنبه . ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما يقتضيه باختيار صاحبها على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه بنى للمفعول قوله :
خُلِقَ هَلُوعاً *
أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له ، وروي عنه أن تفسيره ما بعده . ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر ، نشر معناه فقال مقدما المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك :
إِذا مَسَّهُ
أي أدنى مس
الشَّرُّ
أي هذا الجنس وهو ما تطاير شرره من الضر
جَزُوعاً *
أي عظيم الجزع ، وهو ضد الصبر بحيث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت
وَإِذا مَسَّهُ
أي كذلك
الْخَيْرُ
أي هذا الجنس وهو ما يلائمه فيعينه من السعة في المال وغيره من أنواع الرزق
مَنُوعاً *
أي مبالغا في الإمساك عما يلزمه من الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة الجمود والبلادة ، وهذا الوصف ضد الإيمان ، لأنه نصفان : صبر وشكر .

[ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 22 إلى 29 ]

إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 29 )