تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
بالعطف بالواو :
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ
أي التي منّ سبحانه بها عليهم
حَقٌّ
ولما كان السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في الذاريات اقتصر على الفرض فقال :
مَعْلُومٌ *
أي من الزكوات وجميع النفقات الواجبة . ولما كان في السؤال من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية النفس مع المذمة ، قدم قوله :
لِلسَّائِلِ
أي المتكلف لسؤال الإنفاق المتكفف . ولما كان في الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال بذل السؤال من الإقلال بذب المقبل على اللّه للتفطن والتوسم لأولئك فقال :
وَالْمَحْرُومِ *
أي المتعفف الذي لا يسأل فيظن غنيا ولا مال له يغنيه فهو يتلظى بناره في ليله ونهاره ، ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وإسراره إلا إلى إفاضة مدامعه بذله وانكساره ، وهذا من اللّه تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى ، وقد كان للسلف الصالح في هذا وأشباهه قصب السبق ، حكي عن زين العابدين أنه لما مات وجد في ظهره آثار سود عند غسله كأنها السيور ، فعجبوا منها ، فلما كان بعد أيام قال نسوة أرامل : كان شخص يأتي إلينا ليلا بقرب الماء وأجربة الدقيق على ظهره ففقدناه واحتجنا ، فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك ، وحكي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن شخصا رآه ماشيا في زمن خلافته في الليل فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد ، فلم يزل رضي اللّه عنه حتى جاء إلى بيت نسوة أرامل فقال : أعندكن ماء وإلا أملأ لكن ، فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن ، والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة شهيرة جدا . ولما كان المال قد يصرف لإصلاح الدنيا ، بين أن النافع منه إنما هو المصدق للإيمان فقال :
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ
أي يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت
بِيَوْمِ
ولما كان المقصود الحث على العمل لأجل العرض على الملك الأعلى عبر بقوله :
الدِّينِ *
أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة على النقير والقطمير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة ، فالذين يعملون لذلك اليوم هم العمال ، وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال . ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب والعقاب ، وكان ربما صرفه صارف إلى الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه ، وأن رحمته غلبت غضبه ، صرح بالعقاب فقال :
وَالَّذِينَ هُمْ
أي بجميع ضمائرهم
مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم ، لا