التبصير ، قال البغوي : وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس - انتهى ، وكان حكمة ذلك أنه أدل على تقطع الأسباب فلا يسأل أحد منهم الآخر عن شيء من أمره لاشتغال كل بنفسه ، فعدم السؤال لا للخفاء بل للاشتغال وهم كل إنسان بما عنده :
يُبَصَّرُونَهُمْ
أي يبصرهم مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ويفر كل من الآخر لشغله بنفسه . ولما تناهى الإخبار بعظمة ذلك اليوم إلى حد لا تحتمله القلوب ، ذكر نتيجة ذلك فقال مستأنفا :
يَوَدُّ
أي يتمنى ويشتهي
الْمُجْرِمُ
أي هذا النوع سواء كان كافرا أو مسلما عاصيا علم أنه يعذب بعصيانه ، وقيد به لأن المسلم الطائع يشفع فيمن أذن له فيه ولا يهمه شيء من ذلك ، ودل على أن هذه الودادة مجرد تمن بقوله :
لَوْ يَفْتَدِي
أي نفسه
مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ
أي يوم إذ كانت هذه المخاوف بأعلق الناس بقلبه وأقربهم منه فضلا عن أن يسأل عن أحواله .
ولما كان السياق للافتداء ، بدأ بأعزهم في ذلك بخلاف ما يأتي في عبس فقال :
بِبَنِيهِ *
لشدة ما يرى .
ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه لنصره والذب عنه ، أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة وما الافتداء به لا سيما عند العرب من أقبح العار فقال :
وَصاحِبَتِهِ
أي زوجته التي يلزمه الذب عنها والكون دائما معها لكونها عديلة روحه في الدنيا .
ولما ذكر الصاحبة لما لها من تمام الوصلة ، أتبعها الشقيق الذي لا يلزم من الذب عنه ما يلزم من الذب عن الحريم وربما كان مباينا ، فقال :
وَأَخِيهِ * .
ولما كان من بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم فقال :
وَفَصِيلَتِهِ
أي عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه
الَّتِي تُؤْوِيهِ *
أي تضمه إليها عند الشدائد وتحميه ، لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها فهم أعظم الناس حقا عليه وأعزهم لديه .
[ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 14 إلى 21 ]
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ( 14 ) كَلاَّ إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ( 17 ) وَجَمَعَ فَأَوْعى ( 18 )
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 )
ولما كانت هذه الآية في الفدية ، قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع والمعرة . ولما كانت آية عبس في الفرار والنفرة ، قدم الألصق فالألصق ، والأعلق في الأنس فالأعلق .
ولما خص هنا عم فقال :
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
أي من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا . ولما كان ربما خص ذلك