من عذاب غيره ، فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه ، وإذا خيف مع تجليه في مقام الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه في نعوت الجلال من الكبر والقهر والانتقام
مُشْفِقُونَ *
أي خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا أو فيهما ، فهم لذلك لا يغفلون ولا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه .
ولما كان المقام للترهيب ، ولذلك عبر عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين ، فصار العذاب مذكورا مرتين تلويحا وتصريحا ، زاده تأكيدا بقوله اعتراضا مؤكدا لما لهم من إنكاره :
إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ
أي الذي رباهم وهم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان
غَيْرُ مَأْمُونٍ *
أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه ، بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة لأن الملك مالك وهو تام الملك ، له أن يفعل ما يشاء - ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحا بين الخوف والرجاء .
ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية المال بالصدقة ، ندب إلى التخلي عن أمر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو الزنا الحامل عليه شهوة الفرج التي هي أعظم الشهوات حملا للنفس على المهلكات ، فقال بعد ذكر التخويف بالعذاب إعلاما بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة وقوعا من الذباب في أحلى الشراب فقال :
وَالَّذِينَ هُمْ
أي ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم
لِفُرُوجِهِمْ
أي سواء كانوا ذكورا أو إناثا
حافِظُونَ *
أي حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى اللّه عنه .
[ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 30 إلى 32 ]
إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 31 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 32 )
ولما ذكر هذا الحفظ على هذا الوجه ، ذكر ما أذن فيه في أسلوب الاستثناء إشعارا بأنه كأنه لم يذكر فيخرج إلا بعد تقرير عموم الحفظ لا أنه مقصود ابتداء بقصد الصفة فقال :
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ
أي بعقد النكاح .
ولما قدمهن لشرفهن وشرف الولد بهن أتبعه قوله :
أَوْ ما
عبر بما هو الأغلب لغير العقلاء ندبا إلى إيساع البطان في احتمالهن
مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
أي من السراري اللاتي هن محل الحرث والنسل اللاتي هن أقل عقلا من الرجال .
ولما كان الناكح عبادة نادرا جدا ، وكان الأصل في العبادة الخروج عن العادة ،