تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
أعجب ، ومعناه التنبيه ؛ ثم ابتدأ كأن
اللَّهَ
أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله
يَبْسُطُ الرِّزْقَ
أي الكامل
لِمَنْ يَشاءُ
سواء كان عنده ما يحتال به على الرزق أم لا . ولما كانت القصة لقارون ، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره ، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه ، قال منبها بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده ، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته :
مِنْ عِبادِهِ .
ولما دل على أن البسط إنما هو منه ، أتبعه قوله دليلا آخر على ربوبيته :
وَيَقْدِرُ
أي يضيق على من يشاء سواء كان فطنا أم لا ، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه ، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده ، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة ، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده ، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال . ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد اللّه ، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضا أن اللّه قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم :
لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ
أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال
عَلَيْنا
بجوده ، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله
لَخَسَفَ بِنا
مثل ما خسف به
وَيْكَأَنَّهُ
أي عجبا أو ندما لأنه ، أو يشبه أنه ، أو ألم تر أنه ، قال الرضي في شرح الحاجبية : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم : عجبا منك ، فسئل : لم تتعجب منه ؟ فقال : لأنه - إلى آخره ، فحذف حرف الجر مع « أن » كما هو القياس .
لا يُفْلِحُ
أي يظفر بمراد
الْكافِرُونَ *
أي العريقون في الكفر لنعمة اللّه ، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه ، سواء وقف على وي أو ويك أو لا . ذكر شرح هذه القصة : قال البغوي : قال أهل العلم بالأخبار : كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسّلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى ، وكان أول طغيانه وعصيانه أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسّلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة ، في كل طرف منها خيطا أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي ، فقال موسى : يا رب ! أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا ، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط ، فقال له ربه : يا موسى ! إن الصغير من أمري ليس بصغير ، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير ، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 523 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي