تحقيرا لما استفزهم حتى قالوه فقالوا :
ثَوابُ اللَّهِ
أي الجليل العظيم
خَيْرٌ
أي من هذا الحطام ، ومن فاته الخير حل به الويل ؛ ثم بينوا مستحقه تعظيما له وترغيبا للسامع في حاله فقالوا :
لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ
أي تصديقا لإيمانه
صالِحاً
ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكدا لأن أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين :
وَلا يُلَقَّاها
أي لا يجعل لاقيا لهذه الكلمات أو النصيحة التي قالها أهل العلم ، أي عاملا بها
إِلَّا الصَّابِرُونَ *
أي على قضاء ربهم في السراء والضراء ، والحاملون أنفسهم على الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقا ، وعبر بالجمع ترغيبا في التعاون إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 81 إلى 82 ]
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ( 81 ) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 )
ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب ، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله :
فَخَسَفْنا
أي بما لنا من العظمة
بِهِ وَبِدارِهِ
أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته ، فهي أمر عظيم ، تجمع خلقا كثيرا وأثاثا عظيما ، لئلا يقول قائل : إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله
الْأَرْضَ
وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسّلام وقريب منه جدا - على ما نقله أهل الأخبار - فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى ، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبدا ، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا
فَما
أي فتسبب عن ذلك أنه ما
كانَ لَهُ
أي لقارون ، وأكد النفي - لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون - بزيادة الجار في قوله :
مِنْ فِئَةٍ
أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه ، وأصل الفئة الجماعة من الطير - كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه
يَنْصُرُونَهُ .
ولما كان اللّه تعالى أعلى من كل شيء قال :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الحائز لصفات الكمال ، المتردي بالعظمة والجلال ، لأن من كان على مثل رأيه هلك ، ومن كان من أولياء اللّه راقب اللّه في أمره ، فلم يسألوا اللّه فيه ، وعلم هو أن الحق للّه ، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري
وَما كانَ
أي هو
مِنَ المُنْتَصِرِينَ *