تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
تكن موجودة أصلا عشر سنين ، ثم يأخذ في النقصان - هذه عادة اللّه في جميع بني آدم إلا الأنبياء ، فإنهم في حد الوقوف يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب ، بل غريزة يغرزها اللّه فيهم حينئذ ، ويؤتون من قوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك ، ففي وقت انتكاس غيرهم يكون نموهم ، وكذا من ألحقه اللّه بهم من صالحي أتباعهم ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة يس من تمام هذا المعنى ما يفتح اللّه به لمن تأمله أبوابا من العلم ، ولذلك قال اللّه تعالى عاطفا على ما تقديره : فعلنا به ذلك وبأمه جزاء لهما على إحسانهما في إخلاصهما فيما يفعلانه اعتمادا على اللّه وحده من غير أدنى التفات إلى ما سواه :
وَكَذلِكَ
أي ومثل هذا الجزاء العظيم
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *
أي كلهم .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 15 إلى 19 ]

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 ) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 ) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 ) ولما أخبر بتهيئة لنبوته ، أخبر بما هو سبب لهجرته ، وكأنها سنت بعد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فقال :
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ
أي مدينة فرعون آتيا من قصره ، لأنه كان عنده بمنزلة الولد ، قال ابن جرير : وهي مدينة منف من مصر ، وقال البغوي : وقيل : عين الشمس . وقيل غير ذلك
عَلى حِينِ غَفْلَةٍ
قيل بعيد : وقيل بغير ذلك
مِنْ أَهْلِها
أي إحكاما لما جعلناه سببا لنقلته منها طهارة من عشرة القوم الظالمين
فَوَجَدَ فِيها
أي المدينة
رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ
أي يفعلان مقدمات القتل من الملازمة مع الخنق والضرب ، وهما إسرائيلي وقبطي ، ولذا قال مجيبا لمن كأنه يسأل عنهما وهو ينظر إليهما :
هذا مِنْ شِيعَتِهِ
أي من بني إسرائيل قومه
وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
أي القبط ، وكان قد حصل لبني إسرائيل به عز لكونه ربيب الملك ، مع أن مرضعته منهم ، لا يظنون أن سبب ذلك الرضاع
فَاسْتَغاثَهُ
أي طلب منه
الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ
أن يغيثه
عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ
أي فأجابه
مُوسى
فركز أي فطعن ودفع بيده العدو أو ضربه بجميع كفه ، وكأنه كالكم ، أو دفعه بأطراف أصابعه ، وهو رجل أيد لم يعط أحد من أهل ذلك الزمان