تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
ولما أخبر عن حال من لقيه ، أخبر عن حال من فارقه ، فقال :
وَأَصْبَحَ
أي عقب الليلة التي حصل فيها فراقه
فُؤادُ أُمِّ مُوسى
أي قلبها الذي زاد احتراقه شوقا وخوفا وحزنا ، وهذا يدل على أنها ألقته ليلا
فارِغاً
أي في غاية الذعر لما جبلت عليه من أخلاق البشر ، قد ذهب منه كل ما فيه من المعاني المقصودة التي من شأنها أن يربط عليها الجأش ؛ ثم وصل بذلك مستأنفا قوله :
إِنْ
أي إنه
كادَتْ
أي قاربت
لَتُبْدِي
أي يقع منها الإظهار لكل ما كان من أمره ، مصرحة
بِهِ
أي بأمر موسى عليه السّلام من أنه ولدها ونحو ذلك بسبب فراغ فؤادها من الأمور المستكنة ، وتوزع فكرها في كل واد
لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا
بعظمتنا
عَلى قَلْبِها
بعد أن رددنا إليه المعاني الصالحة التي أودعناها فيه ، فلم تعلن به لأجل ربطنا عليه حتى صار كالجراب الذي ربط فمه حتى لا يخرج شيء مما فيه ؛ ثم علل الربط بقوله :
لِتَكُونَ
أي كونا هو كالغريزة لها
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *
أي المصدقين بما وعد اللّه به من نجاته ورسالته ، الواثقين بذلك . ولما أخبر عن كتمها ، أتبعه الخبر عن فعلها في تعرف خبره الذي أطار خفاؤه عليها عقلها ، فقال عاطفا على
وَأَصْبَحَ
:
وَقالَتْ
أي أمه
لِأُخْتِهِ
أي بعد أن أصبحت على تلك الحالة ، قد خفي عليها أمره :
قُصِّيهِ
أي اتبعي أثره وتشممي خبره برا وبحرا ، ففعلت
فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ
أي بعد من غير مواجهة ، ولذلك قال :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ *
أي ليس لهم شعور لا بنظرها ولا بأنها أخته ، بل هم في صفة الغفلة التي هي في غاية البعد عن رتبة الإلهية . ولما كان ذلك أحد الأسباب في رده ، ذكر في جملة حالية سببا آخر قريبا منه فقال :
وَحَرَّمْنا
أي منعنا بعظمتنا التي لا يتخلف أمرها ، ويتضاءل كل شيء دونها
عَلَيْهِ الْمَراضِعَ
جمع مرضعة ، وهي من تكترى للرضاع من الأجانب ، أي حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن ، استعار التحريم للمنع لأنه منع فيه رحمة ؛ قال الرازي في اللوامع : تحريم منع لا تحريم شرع . ولما كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم ، فلم يستغرق