تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
التحريم الزمان الماضي ، أثبت الجار فقال :
مِنْ قَبْلُ
أي قبل أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له ، ليكون ذلك سببا لرده إليها ، فلم يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته فقالوا لها : هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها ؟
فَقالَتْ
أي فدنت أخته منه بعد نظرها له فقالت لهم لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه المراضع فأبى أن يرتضع من واحدة منهن :
هَلْ
لكم حاجة في أني
أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ
ولم يقل : على امرأة ، لتوسع دائرة الظن
يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ
أي يأخذونه ويعولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم ، وزادتهم رغبة بقولها :
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ *
أي ثابت نصحهم له ، لا يغشونه نوعا من الغش ؛ قال البغوي : والنصح ضد الغش ، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد فكادت بهذا الكلام تصرح بأن المدلول عليها أمه ، فارتابوا من كلامها فاعتذرت بأنهم يعملون ذلك تقربا إلى الملك وتحببا إليه تعززا به ، فظنوا ذلك ، وهذا وأمثاله بيان من اللّه تعالى لأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا هو سبحانه ، فلا يصح أن يكون غيره إلها ، فلما سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم ، فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ثديها فقالوا : أقيمي عندنا ، فقالت : لا أقدر على فراق بيتي . إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي ، وأظهرت التزهد فيه نفيا للتهمة ، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها ، والآية من الاحتباك : ذكر التحريم أولا دليلا على الإحلال ثانيا ، واستفهام أخته ثانيا دليلا على استفهامهم لها أولا ، وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على القدرة ، ولذلك سبب عما مضى قوله :
فَرَدَدْناهُ
أي مع هذا الظاهر في الكشف لسره الموجب للريبة في أمره ، ومع ما تقدم من القرائن التي يكاد يقطع بها بأنه من بني إسرائيل ، منها إلقاؤه في البحر على تلك الصفة ، ومنها أن المدلول عليها لإرضاعه من بني إسرائيل ، ومنها أنه قبل ثديها دون غيرها من القبط وغيرهم ، بأيدنا الذي لا يقاويه أيد ، ولا يداني ساحته شيء من مكر ولا كيد ، من يد العدو الذي ما ذبح طفلا إلا رجاء الوقوع عليه ، والخلاص مما جعل في سابق العلم إليه
إِلى أُمِّهِ
وكان من أمر اللّه - واللّه غالب على أمره - أنه استخدم لموسى - كما قال الرازي - عدوه في كفالته وهو يقتل العالم لأجله ؛ ثم علله بقوله :
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها
أي تبرد وتستقر عن الطرف في تطلبه إلى كل جهة وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها ، آمنة لا تخاف ، وقرة العين بردها ونومها خلاف سخنتها وسهرها بإدامة تقليبها ، قرت عينه تقر - بالكسر والفتح - قرة ، وتضم ، وقرورا : بردت سرورا وانقطع بكاؤها ، أو رأت ما كانت متشوفة إليه ، وأقر اللّه عينه وبعينه ، وعين قريرة وقارة ، وقرتها ما قرت به ، وقر بالمكان يقر - بالفتح والكسر - قرارا وقرورا وقرا وتقرة :