تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
معه - بما أشير إليه بدخوله المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير الإسرائيلي ، وبقوله
عَدُوٌّ لَهُما
من ذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه الصلاة والسّلام . ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره ، خاف غائلته فزاد في الإغراء به ، مؤكدا بقوله :
أَنْ
أي ما
تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
أي كونا راسخا
جَبَّاراً
أي قاهرا غالبا ؛ قال أبو حيان : وشأن الجبار أن يقتل بغير حق .
فِي الْأَرْضِ
أي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد
وَما تُرِيدُ
أي يتجدد لك إرادة
أَنْ تَكُونَ
أي بما هو لك كالجبلة
مِنَ الْمُصْلِحِينَ *
أي العريقين في الصلاح ، فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه الصورة ، فلما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي ، وكانوا - لما قتل ذلك القبطي - ظنوا في بني إسرائيل ، فأغروا فرعون بهم فقال : هل من بينة ، فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت - كما ذكر ذلك في حديث المفتون الذي رواه أبو يعلى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فلما قال هذا الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسّلام .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 20 إلى 24 ]

وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 ) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) ولما كان تقدير الكلام الذي أرشد إليه السياق : فلما سمع الفرعوني قول الإسرائيلي تركه . ثم رقي الكلام إلى أن بلغ فرعون فوقع الكلام في الأمر بقتل موسى عليه الصلاة والسّلام ، عطف عليه قوله :
وَجاءَ رَجُلٌ
أي ممن يحب موسى عليه الصلاة والسّلام . ولما كان الأمر مهما ، يحتاج إلى مزيد عزم وعظم قوة ، قدم فاعل المجيء على متعلقه بخلاف ما في سورة يس . ولما كان في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى يقول القائل : لا خلاص ، ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول : لا هلاك ، قال واصفا للرجل :
مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ
أي أبعدها مكانا ، وبين أنه كان ماشيا بقوله :
يَسْعى
ولكنه اختصر طريقا وأسرع في مشيه بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه فكأنه قيل : ما فعل ؟ فقيل :
قالَ
مناديا له باسمه تعطفا