تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته ، توقع السامع الدلالة على علمه سبحانه ، فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على الأول عاطفا على ما تقديره : فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهما السّلام حكمة وهدى وعلما ونصرا على من خالفهما وعزا :
وَلَقَدْ آتَيْنا
أي بما لنا من العظمة
داوُدَ وَسُلَيْمانَ
أي ابن داود ، وهما من أتباع موسى عليهم السّلام وبعده بأزمان متطاولة
عِلْماً
أي جزاء من العلم عظيما من منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما . ولما كان التقدير : فعملا بمقتضاه ، عطف عليه قوله :
وَقالا
شكرا عليه ، دلالة على شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع :
الْحَمْدُ
أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال
لِلَّهِ
أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال
الَّذِي فَضَّلَنا
أي بما آتانا من ذلك
عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ *
أي الذين صار الإيمان لهم خلقا . ولما كان كل منهما عليهما السّلام قد أوتي ما ذكر ، أشار إلى فضل سليمان عليه السّلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ
أي أباه عليهما السّلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان قد خصه اللّه دون قومه بجمعه له إلى النبوة ، فشكر اللّه على ما أنعم به عليه أولا وثانيا
وَقالَ
أي سليمان عليه السّلام محدثا بنعمة ربه ومنبها على ما شرفه اللّه به ، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير :
يا أَيُّهَا النَّاسُ .
ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا اللّه ، فإنه لا يقدر على ذلك غيره ، قال بانيا للمفعول :
عُلِّمْنا
أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء ، بل هو كلام الواحد المطاع ، تنبيها على تعظيم اللّه بما عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل ، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة
مَنْطِقَ الطَّيْرِ
أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت ، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، ولا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها