ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات ، فسمعه بجميع الحواس ، أمر بالتنزيه ، تحقيقا لأمر من أمره سبحانه ، وتثبيا له ، فقال عاطفا على ما أرشد السياق إلى تقديره من مثل : فأبشر بهذه البشرى العظيمة :
وَسُبْحانَ اللَّهِ
أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيها يليق بجلاله ، ويجوز أن يكون خبرا معطوفا على
بُورِكَ
أي وتنزه اللّه سبحانه تنزها يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن .
ولما كان تعليق ذلك بالاسم العلم دالا على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال ، من الجلال والجمال ، وصفه بما يعرف أنه يستحقه أيضا لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه الصلاة والسّلام كبيرا بعد ما رباه به صغيرا ، فقال :
رَبِّ الْعالَمِينَ * .
ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا ، قال معظما له تمهيدا لما أراد سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات :
يا مُوسى إِنَّهُ
أي الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه
أَنَا اللَّهُ
أي البالغ من العظمة ما تقصر عنه الأوهام ، وتتضاءل دونه نوافذ الأفهام ، ثم أفهمه مما تضمن ذلك وصفين يدلانه على أفعاله معه فقال :
الْعَزِيزُ
أي الذي يصل إلى جميع ما يريد ولا يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد
الْحَكِيمُ *
أي الذي ينقض كل ما يفعله غيره إذا أراد ، ولا يقدر غيره أن ينقض شيئا من فعله .
ولما كان التقدير : فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه ، ولا تخف من شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة ، محروس بسور العزة ، دل عليه بالعطف في قوله :
وَأَلْقِ عَصاكَ
أي لتعلم علما شهوديا عزتي وحكمتي - أو هو معطوف على
أَنْ بُورِكَ
- فألقاها كما أمر ، فصارت في الحال - بما أذنت به الفاء - حية عظيمة جدا ، هي - مع كونها في غاية العظم - في نهاية الخفة والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر
كَأَنَّها جَانٌّ
أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها ، ولا ينافي ذلك كبر جثتها
وَلَّى
أي موسى عليه الصلاة والسّلام .
ولما كانت التولية مشتركة بين معان ، بين المراد بقوله :
مُدْبِراً
أي التفت هاربا منها مسرعا جدا لقوله :
وَلَمْ يُعَقِّبْ
أي لم يرجع على عقبه ، ولم يتردد في الجد في الهرب ، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته ، يقال : عقب عليه تعقيبا ، أي كر ، وعقب في الأمر تعقيبا : تردد في طلبه مجدا - هذا في ترتيب المحكم . وفي القاموس :
التعقيب : الالتفات . وقال القزاز في ديوانه : عقب - إذا انصرف راجعا فهو معقب .