تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة ، أجيبت بأنه قيل له :
يا مُوسى لا تَخَفْ
ثم علل هذا النهي بقوله ، مبشرا بالأمن والرسالة :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ
أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات ، وهي وقت الوحي ومكانه
الْمُرْسَلُونَ *
أي لأنهم معصومون من الظلم ، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 11 إلى 14 ]

إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) ولما دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته ، وعلم منه أن من ظلم خاف ، وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم ، ولكنهم لعلو مقامهم ، وعظيم شأنهم ، يعد عليهم خلاف الأولى ، بل بعض المباحات المستوية ، بل أخص من ذلك ، كما قالوا « حسنات الأبرار سيئات المقربين » ، استدرك سبحانه من ذلك بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخر تلك في التوبة ، وينبه موسى عليه السّلام على غفران وكزة القبطي له ، وأنه لا خوف عليه بسببه وإن كان قتله مباحا لكونه خطأ مع أنه كافر ، لكن علو المقام يوجب التوقف عن الإقدام إلا بإذن خاص ، ولذلك سماه هو ظلما فقال
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها فقال :
إِلَّا
أو المعنى : لكن
مَنْ ظَلَمَ
كائنا من كان ، بفعل سوء
ثُمَّ بَدَّلَ
بتوبته
حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
وهو الظلم الذي كان عمله ، أي جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه الصلاة والسّلام فإني أغفره له بحيث يكون كأنه لم يعمله أصلا ، وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس الكرامة المقارنة للأمن والعز وإن أصابه قبل ذلك نوع خوف . ثم علل ذلك بأن المغفرة والرحمة صفتان له ثابتتان ، فقال :
فَإِنِّي
أي أرحمه بسبب أني
غَفُورٌ
أي من شأني أني أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها
رَحِيمٌ *
أعامل التائب منها معاملة الراحم البليغ الرحمة بما يقتضيه حاله من الكرامة ، فأزيل أثر ما كان وقع فيه من موجب الخوف وهو الظلم . ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني ، أراه آية أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني ، فقال :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
أي فتحة ثوبك ، وهو ما قطع منه ليخيط بعنقك
تَخْرُجْ
أي إذا أخرجتها
بَيْضاءَ
أي بياضا عظيما نيرا جدا ، له شعاع كشعاع الشمس .