ولما كان ربما وقع في وهم أن هذه الآفة ، قال :
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي برص ولا غيره من الآفات ، آية أخرى كائنة
فِي
جملة
تِسْعِ آياتٍ
كما تقدم شرحها في سورة الإسراء وغيرها ، منتهية على يدك برسالتي لك
إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
أي الذين هم أشد أهل هذا الزمان قياما في الجبروت والعدوان ؛ ثم علل إرساله إليهم بالخوارق بقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا
أي كونا كأنه جبلة لهم
قَوْماً فاسِقِينَ *
أي خارجين عن طاعتنا لتردهم إلينا .
ولما كان التقدير : فأتاهم كما أمرناهم فعاندوا أمرنا ، قال منبها على ذلك ، دالا بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالا لما أمر به :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا
أي على يده
مُبْصِرَةً
أي سبب الإبصار لكونها منيرة ظاهرة جدا ، فهي هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن يبصر ، فهو لا يخطئ شيئا ينبغي أن ينتفع به
قالُوا هذا سِحْرٌ
أي خيال لا حقيقة له
مُبِينٌ *
أي واضح في أنه خيال
وَجَحَدُوا
أي أنكروا عالمين
بِها
أي أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع العلم .
ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به ، حقق ذلك بقوله :
وَاسْتَيْقَنَتْها
أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها حتى تيقنتها في كونها حقا
أَنْفُسُهُمْ
وتخلل علمها صميم عظامهم ، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس . ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال :
ظُلْماً وَعُلُوًّا
أي إرادة وضع الشيء في غير حقه ، والتكبر على الآتي به ، تلبيسا على عباد اللّه .
ولما كان التقدير : فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم غير تطرف ، ولم يرجع منهم مخبر ، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم ، عطف عليه تذكيرا به مسببا عنه قوله :
فَانْظُرْ
ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على السؤال عنه لعظمته ، فقال معبرا بأداة الاستفهام :
كَيْفَ كانَ
وكان الأصل : عاقبتهم ، أي آخر أمرهم ، ولكنه أظهر فقال :
عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ *
ليدل على الوصف الذي كان سببا لأخذهم تهديدا لكل من ارتكب مثله .
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 19 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )