ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين ، أمر بضدها لأضدادهم فقال :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ
أي لن غاية اللين ، وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع جناحيه ، فإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما ، فجعل ذلك مثلا في التواضع
لِمَنِ اتَّبَعَكَ
ولعله احترز بالتعبير بصيغة الافتعال عن مثل أبي طالب ممن لم يؤمن أو آمن ظاهرا وكان منافقا أو ضعيفا في الإيمان فاسقا ؛ وحقق المراد بقوله :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *
أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة سواء كانوا من الأقربين أو الأبعدين .
ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع أحوالهم ، فصل بقوله :
فَإِنْ عَصَوْكَ
أي هم فغيرهم من باب الأولى
فَقُلْ
أي تاركا لما كنت تعاملهم به حال الإيمان من اللين :
إِنِّي بَرِيءٌ
أي منفصل غاية الانفصال
مِمَّا تَعْمَلُونَ *
أي من العصيان الذي أنذر منه القرآن ، وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم ، بالزيادة في إكرامهم ، ليؤذن ذلك المزلزل بالعلم بحاله فيحثه ذلك على اللحاق بهم .
ولما أعلمت هذه الآية بمنابذة من عصى كائنا من كان ولو كان ممن ظهر منه الرسوخ في الإيمان ، لما يرى منه من عظيم الإذعان ، أتبعه قوله :
وَتَوَكَّلْ
أي في عصمتك ونجاتك والإقبال بالمنذرين إلى الطاعة ، وقراءة أهل المدينة والشام بالفاء السببية أدل على ذلك
عَلَى الْعَزِيزِ
أي القادر على الدفع عنكم والانتقام منهم
الرَّحِيمِ *
أي المرجو لإكرام الجميع برفع المخالفة والشحناء ، والإسعاد بالاستعمال فيما يرضيه ؛ ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف بما يقتضي الكفاية في كل ما ينوب من دفع الضر وجلب النفع ، وذلك هو العلم المحيط المقتضي لجميع أوصاف الكمال ، فقال :
الَّذِي يَراكَ
أي بصرا وعلما
حِينَ تَقُومُ *
من نومك من فرشك تاركا لحبك ، لأجل رضا ربك
وَ
يرى
تَقَلُّبَكَ
في الصلاة ساجدا وقائما
فِي السَّاجِدِينَ *
أي المصلين من أتباعك المؤمنين ، لكم دوي بالقرآن كدوي النحل ، وتضرع من خوف اللّه ، ودعاء وزفرات تصاعد وبكاء ، أي فهو جدير لإقبالكم عليه ، وخضوعكم بين يديه ، بأن يحبوكم بكل ما يسركم .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 220 إلى 227 ]
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 ) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 )
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 )