[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 211 إلى 219 ]
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 )
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 )
ولما كان لا يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال :
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ
أي ما يصح وما يتصور منهم النزول بشيء منه لأنه خير كله وبركة ، وهم مادة الشر والهلكة ، فبينهما تمام التباين ، وأنت سكينة ونور ، وهم زلزلة وثبور ، فلا إقبال لهم عليك ، ولا سبيل بوجه إليك .
ولما كان عدم الانتفاء لا يلزم منه عدم القدرة قال :
وَما يَسْتَطِيعُونَ *
أي النزول به وإن اشتدت معالجتهم على تقدير أن يكون لهم قابلية لذلك ؛ ثم علل هذا بقوله :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ
أي الكامل الحق ، من الملأ الأعلى
لَمَعْزُولُونَ *
أي بما حفظت به السماء من الشهب وبما باينوا به الملائكة في الحقيقة لأنهم خير صرف ، ونور خالص ، وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة ، فلا يسمعون إلا خطفا ، فيصير - بما يسبق إلى أفهامهم ، ويتصور من باب الخيال في أوهامهم - خلطا لا حقيقة لأكثره ، فلا وثوق بأغلبه ، ولا يبعد أن يكون ذلك عاما حتى يشمل السماع من المؤمنين لما شاركوا به الملائكة من النور والخير ، انظر ما ورد في آية الكرسي من أنها لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان ، وفي رواية : إلا خرج منه الشيطان ، وورد نحوه في الآيتين من آخر سورة البقرة ، وكذا ما كان من أشكال ذلك ، وأعظم منه قوله عليه الصلاة والسّلام لعمر رضي اللّه عنه : إنه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك . وترك تعليل الانبغاء لظهوره .
ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون ، والقرآن داع إلى اللّه الحق المبين ، سبب عنه قوله :
فَلا تَدْعُ
وخاطب نبيه عليه الصلاة والسّلام وهو أكرم الخلق لديه ، وأعزهم عليه ، ليكون لطفا لغيره فيما يأتيه من الإنذار ، فيكون الوعيد أزجر له ، ويكون هو له أقبل
مَعَ اللَّهِ
أي الحائز لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي نزل به عليك الروح الأمين ، لما بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية والخير
إِلهاً
وتقدم في آخر الفرقان حكمة الإتيان بقوله :
آخَرَ فَتَكُونَ
أي فيتسبب عن ذلك أن تكون
مِنَ الْمُعَذَّبِينَ *
من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله ، وهذا الكلام لكل من سمع القرآن في الحث على تدبر معناه ، ومقصده ومغزاه ، ليعلم أنه في غاية المباينة للشياطين وضلالهم ، والملاءمة للمقربين وأحوالهم ، ولعله خاطب به المعصوم ، زيادة