تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
ومؤسيا ومعزيا فقال :
أَ فَرَأَيْتَ
أي هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني
إِنْ مَتَّعْناهُمْ
أي في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة . ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد ، عبر بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال :
سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ
أي بعد تلك السنين المتطاولة ، والدهور المتواصلة
ما كانُوا يُوعَدُونَ *
أي مما طال إنذارك إياهم به وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم والتمكين في إسماعهم ، أخبرني
ما
أي أيّ شيء
أَغْنى عَنْهُمْ
أي فيما أخذهم من العذاب
ما كانُوا
أي كونا هو في غاية المكنة وطول الزمان
يُمَتَّعُونَ *
تمتيعا هو في غاية السهولة عندنا ، وصوره بصورة الكائن تنديما عليه ، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئا لأن عاقبته الهلاك ، وزادهم بعدا من اللّه وعذابا بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام . ولما كان التقدير : لم يغن عنهم شيئا لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار المنذرين ، لمشافهتك إياهم به ، وسماعهم لمثل ذلك عمن مضى قبلهم من الرسل ، عطف عليه قوله :
وَما أَهْلَكْنا
أي بعظمتنا ، واعلم بالاستغراق بقوله :
مِنْ قَرْيَةٍ
أي من القرى السالفة ، بعذاب الاستئصال
إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ *
رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل ، وأعراها من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر ، لأن المنذرين مشاهدون . وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك ؛ ثم علل الإنذار بقوله :
ذِكْرى
أي تنبيها عظيما على ما فيه النجاة ، وتذكيرا بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر عقولهم ، وقادت إليه بصائر قلوبهم ، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى
قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا
[ الطلاق : 10 ] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه . ولما كان التقدير : فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق ، عطف عليه قوله :
وَما كُنَّا
أو الواو للحال من نون
أَهْلَكْنا
ظالِمِينَ *
أي في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا ، وعبدوا غيرنا ، بعد الإعذار إليهم ، ومتابعة الحجج ، ومواصلة الوعيد . ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن كونه صلّى اللّه عليه وسلّم من المنذرين ، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين ، عطف على قوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
قوله إعلاما بأن العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن لتقرير أنه من عند اللّه ونفى اللبس عنه بقوله :
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ
أي القرآن
الشَّياطِينُ *
أي ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون .