تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
أي جواد كريم من قولهم : يد هضوم - إذا كانت تجود بما لديها ، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء ، وإليه يرجع ما قال أبو عبد اللّه القزاز معناه أنه قد هضم - أي ضغط - بعضه بعضا لتراكمه ، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد ، لا فرج بينه ، ولطيف لين هش طيب الرائحة ، من الهضم بالتحريك ، وهو خمس البطن ولطف الكشح ؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة ، والهضم : البخور ، والمهضومة : طيب يخلط بالمسك واللبان ؛ قال الرازي في اللوامع : أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا مس ، أو يهضم الطعام ، وكل هذا يرجع إلى لطافته . ولما ذكر اللطيف من أحوالهم ، أتبعه الكثيف من أفعالهم ، فقال عطفا على
أَ تُتْرَكُونَ
أو مبينا لحال الفاعل في
آمِنِينَ :
وَتَنْحِتُونَ
أي والحال أنكم تنحتون إظهارا للقدرة
مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ *
أي مظهرين النشاط والقوة ، تعظما بذلك وبطرا ، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك
فَاتَّقُوا
أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : اتقوا
اللَّهَ
الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره ، واجتناب زواجره
وَأَطِيعُونِ *
أي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه . فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سببا لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون
وَلا تُطِيعُوا .
ولما كان الانقياد للآمر إنما هو بواسطة ما ظهر من أمره قال :
أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ *
أي المتجاوزين للحدود الذين صار لهم ذلك خلقا : ثم وصفهم بما بين إسرافهم ، وهو ارتكاب الفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال :
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم باستناده إلى اللّه . ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحا ، نفى ذلك بقوله :
وَلا يُصْلِحُونَ *
أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل وإن تراءى غير ذلك ، أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقا في الإسراف بجمع هذين الأمرين . ولما دعا إلى اللّه تعالى بما لا خلل فيه ، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن في شيء منه ، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ *
أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذوي سحور ، وهي الرئات ، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك ؛ ونقل البغوي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن معناه : من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب ، يقال : سحره أي علله بالطعام والشراب . ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا يصلح للرسالة :
ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة ، وهل يكون الرسول من البشر ، واتباعهم الوصف