تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
حين
قالَ لَهُمْ
لم يتأنوا بطلب دليل ، ولا ابتغاء وجه جميل ؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله :
أَخُوهُمْ
زيادة في تسلية هذا النبي الكريم
نُوحٌ
وأشار إلى حسن أدبه ، واستجلابهم برفقه ولينه ، بقوله :
أَ لا تَتَّقُونَ *
أي تكون لكم تقوى ، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره ؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله :
إِنِّي لَكُمْ
أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم
رَسُولٌ
أي من عند خالقكم ، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به
أَمِينٌ *
أي لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي ، ولا خيانة في شيء من الأمانة ، فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 108 إلى 116 ]

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 ) قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ( 111 ) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) ولما عرض عليهم التقوى بالرفق ، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها ، تسبب عنه الجزم بالأمر فقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
أي أوجدوا الخوف والحذر والتحرز من الذي اختص بالجلال والجمال ، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة
وَأَطِيعُونِ *
أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة الكمال في ذلك ، فلا يمسكم عذاب . ولما أثبت أمانته ، نفى تهمته فقال :
وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
أي على هذا الحال الذي أتيتكم به ؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله :
مِنْ أَجْرٍ
أي ليظن ظان أني جعلت الدعاء سببا له ؛ ثم أكد هذا النفي بقوله :
إِنْ
أي ما
أَجْرِيَ
أي في دعائي لكم
إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ *
أي الذي دبر جميع الخلائق ورباهم . ولما انتفت التهمة ، تسبب عن انتفائها أيضا ما قدمه ، فأعاده إعلاما بالاهتمام بذلك زيادة في الشفقة عليهم وتأكيدا له في قلوبهم تنبيها على أن الأمر في غاية العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ
أي الذي حاز جميع صفات العظمة
وَأَطِيعُونِ * .
ولما قام الدليل على نصحه وأمانته ، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما أجاب من قال من أشراف العرب
ما لِهذَا الرَّسُولِ
الآيات ، وقال : لو طردت هؤلاء الضعفاء لرجونا أن نتبعك حتى نزل في ذلك
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
[ الأنعام : 52 ]