تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
ولما أيأسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما أوهموا من اتباعه لو طردهم خداعا ، أقبلوا على التهديد ، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله :
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب فقالوا :
يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ *
أي المقتولين ، ولا ينفعك أتباعك هؤلاء الضعفاء .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 117 إلى 129 ]

قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 ) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 127 ) أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) ولما أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم ، ورأى بما يصدقه من فعلهم ، قال تعالى مخبرا عنه جوابا لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك :
قالَ
شاكيا إلى اللّه تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم وإلهابا إليه وتهييجا ، معرضا عن تهديدهم له صبرا واحتسابا ، لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واكتفاء عنه بسببه :
رَبِّ
أي أيها المحسن إليّ . ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة ، وبهم من القرابة ، ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه من الوضوح ، أكد الإخبار بتكذيبهم ، إعلاما بوجوده ، وبأنه تحققه منهم من غير شك فقال :
إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ *
أي فلا نية لهم في اتباعي
فَافْتَحْ
أي احكم
بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
أي حكما يكون لي فيه فرج ، وبه من الضيق مخرج ، فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم
وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ
أي في الدين
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *
مما تعذب به الكافرين . ولما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف ، أبرزه في مظهر العظمة فقال :
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ
أي ممن لا يخالفه في الدين على ضعفهم وقلتهم
فِي الْفُلْكِ
ولما كانت سلامة المملوء جدا أغرب قال :
الْمَشْحُونِ *
أي المملوء بمن حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما حمل من زادهم وما يصلحهم . ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد - ومظهر العظمة فقال :
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ
أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه
الْباقِينَ *
أي من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم ، وكان ذلك علينا يسيرا .