ونحوها من الآيات ، بأن
قالُوا
أي قومه ، منكرين لاتباعه استنادا إلى داء الكبر الذي ينشأ منه بطر الحق وغمط الناس - أي احتقارهم :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ
أي لأجل قولك هذا وما أثبته من أوصافك
وَ
الحال أنه قد
اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ *
أي المؤخرون في الحال والمآل ، والأحوال والأفعال ، فيكون إيماننا بك سببا لاستوائنا معهم ، فلو طردتهم لم يكن لنا عذر في التخلف عنك ، ولا مانع من اتباعك ، فكان ما متعوا به من العرض الفاني مانعا لهم عن السعادة الباقية ، وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم وخلوّها عن شاغل موجب لإقبالها على الخير وقبولها له ، لأن اللّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم ، وهكذا قالت قريش في أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى صارت من سماتهم وأماراتهم كما قال هرقل في سؤاله عن أتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان مثال المستكبرين مثال شخص كان آخر دونه بدرجة ، فأصبح فوقه بدرجة ، فأنف من أن يرتقي إلى درجته لئلا يساويه ، ورضي لنفسه أن يكون دونه ، فما أسخف عقله ! وما أكثر جهله ! فلا شيء أبين من هذا في أن التقدم في الأمور الدنيوية داء لا دواء له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه والبعد عنه .
ولما كانت الجواهر متساوية في أنها مخلوقات اللّه ، وإنما تتشرف بآثارها ، فالآدمي إنما يشرف أو يرذل بحاله من قاله وفعاله ، أشار إلى أنه يعتبر ما هم عليه الآن من الأحوال الرفيعة ، والأوصاف البديعة ، فلذلك
قالَ
نافيا لعلمه بما قالوه في صورة استفهام إنكاري :
وَما
أي وأيّ شيء
عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ *
أي قبل أن يتبعوني ، أي وما لي وللبحث عن ذلك ، إنما لي ظاهرهم الآن وهو خير ظاهر ، فهم الأشرفون وإن كانوا أفقر الناس وأخسّهم نسبا ، فإن الغني غني الدين ، والنسب نسب التقوى ؛ ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله :
إِنْ
أي ما
حِسابُهُمْ
أي في الماضي والآتي
إِلَّا عَلى رَبِّي
المحسن إليّ باتباعهم لي ليكون لي مثل أجرهم ، المخفف عني أن يكلفني بحسابهم وتعرف بواطنهم ، لأنه المختص بضبط جميع الأعمال والحساب عليها
لَوْ تَشْعُرُونَ *
أي لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم مما هو دائر على أمور الدنيا فقط ، ولا نظر له إلى يوم الحساب .
ولما أفهم قوله رد ما أفهمه قولهم من طردهم ، صرح به في قوله :
وَما
أي ولست
أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ *
أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم ؛ ثم علل ذلك بقوله :
إِنْ
أي ما
أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
أي محذر ، لا وكيل مناقش على البواطن ، ولا متعنت على الاتباع
مُبِينٌ *
أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسا .