تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا ، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم اللّه من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع ؛ ثم فسر ما أبهم بقوله :
لَأُقَطِّعَنَّ
بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين
أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
ثم بين كيفية تقطيعها فقال :
مِنْ خِلافٍ
وزاد في التهويل فقال :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ *
ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله :
قالُوا .
ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه ، حسن قولهم :
لا ضَيْرَ
أي لا ضرر أصلا علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به ، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من اللّه ، وورد النفي الشامل في هذه السورة إيذانا بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم ، تحقيقا لما في أول القصة من الإشارة إلى ذلك ب
كَلَّا
و
مُسْتَمِعُونَ
فإن الإمكان من تابعي موسى عليه السّلام يؤذيه ويضيق صدره ، ولما يأتي في القصص من صريح العبارة في قوله
أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ .
ثم عللوا ذلك بقولهم :
إِنَّا
أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك اللّه عليه
إِلى رَبِّنا
أي المحسن إلينا وحده
مُنْقَلِبُونَ *
أي ولا بد لنا من الموت ، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات ، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار ، ثم لا حكم على الروح إلا اللّه الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد . وذلك معنى قولهم معللين ما قبله :
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ
أي يستر سترا بليغا
لَنا رَبُّنا
الذي أحسن إلينا بالهداية
خَطايانا
أي التي قدمناها على كثرتها ؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم :
أَنْ كُنَّا
أي كونا هو لنا كالجبلة
أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ *
أي من أهل هذا المشهد ، وعبروا بالطمع إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه تعالى ، فكأنه لا سبب منهم أصلا .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 52 إلى 58 ]

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه ، وجعلهما الأعليين ، ولم يضرهما ضعفهما وقلتهما ، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته ، شرع يسلي بما أوقعه في حال السير ، فقال طاويا ما بقي منه لأن هذا ذكّر به ، عاطفا على هذه القصة :
وَأَوْحَيْنا
أي بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود
إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ
أي سر ليلا ، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم
بِعِبادِي
أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحبا لهم إلى ناحية بحر القلزم ، غير مبال بفرعون ولا منزعج منه ، وتزودوا اللحم