تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 59 إلى 68 ]

كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 ) ولما كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر ، أشار إلى عظمة القدرة عليه بقوله :
كَذلِكَ
أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي أراده فرعون من قومه في السرعة وكمال الهيبة أخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك ، ووفرنا لهم الأسباب ، لما اقتضته حكمتنا ، أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك أخرجناهم ، أي كان الواقع من خروجهم مطابقا لما عبرنا به عنه ، أو الأمر الذي قصصناه كله كما قلنا وأولها أقعدها وأحسنها وأجودها
وَأَوْرَثْناها
أي تلك النعم السرية بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهم بالفعل
بَنِي إِسْرائِيلَ *
أي جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستعبدين تحت أيدي أربابها ، وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر لقوله في الدخان
قَوْماً آخَرِينَ .
ولما وصف الإخراج ، وصف أثره فقال مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة :
فَأَتْبَعُوهُمْ
أي جعلوا أنفسهم تابعة لهم
مُشْرِقِينَ *
أي داخلين في وقت شروق الشمس ، أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو إسرائيل ، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم العادة في أقل من عشرة أيام ، فإنه أمر يعجز الملوك مثله ، فيا له من حشر ما أسرعه ! وجهاز ما أوسعه ! واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم كما تقدم في الأعراف شرح ذلك عن التوراة ، وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ
أي صارا بحيث يرى كل منهما الآخر
قالَ أَصْحابُ مُوسى
ضعفا وعجزا استصحابا لما كانوا فيه عندهم من الذل ، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال : إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل ، وذلك محق لتقليل فرعون لهم ، وكأنه عبر عنهم ب « أصحب » دون « بني إسرائيل » لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *
أي لأنهم قد وصلوا ولا طريق لنا وقد صرنا بين سدين من حديد وماء ، العدو وراءنا والماء أمامنا
قالَ
أي موسى عليه الصلاة والسّلام وثوقا بوعد اللّه ، ناطقا بمثل ما كلمه به ربه في أول القصة من قوله :
كَلَّا
أي لا يدركونكم أصلا ؛ ثم علل ذلك تسكينا لهم بقوله :
إِنَّ مَعِي رَبِّي
فكأنهم قالوا : وماذا عساه يفعل وقد وصلوا ؟ قال :
سَيَهْدِينِ *
أي بوعد مؤكد عن قرب ، إلى ما