بأداة التفسير لأن الرسول فيه معنى الرسالة التي تتضمن القول :
أَنْ أَرْسِلْ
أي خلّ وأطلق ؛ وأعاد الضمير على معنى رسول فقال :
مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ *
أي قومنا الذين استعبدتهم ظلما ، ولا سبيل لك عليهم ، نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا اللّه بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسّلام .
ولما كان من المعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما اللّه ، فأتياه وقالا له ما أمرا به ، تشوفت النفس إلى جوابه لهما ، فقال تعالى التفاتا إلى مثل قوله في التي قبلها
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ
[ الفرقان : 7 ] ، و
إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً
[ الأنبياء : 36 ] ونحو ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقا لمعنى قوله تعالى
كَلَّا
و
مُسْتَمِعُونَ
من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد لا يروع موسى عليه السّلام شيء منه :
قالَ
أي فرعون حين أبلغاه الرسالة مخاطبا لموسى عليه السّلام علما منه أنه الأصل فيها ، وأخوه إنما هو وزير ، منكرا عليه مواجهته بمثل هذا ومانّا عليه ليكف من جرأته بتصويب مثل هذا الكلام إليه :
أَ لَمْ نُرَبِّكَ
أي بعظمتنا التي شاهدتها
فِينا وَلِيداً
أي صغيرا قريب عهد بالولادة
وَلَبِثْتَ فِينا
أي لا في غيرنا ، باعتبار انقطاعك إلينا ، وتعززك في الظاهر بنا
مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ *
أي كثيرة ، فلنا عليك بذلك من الحق ما ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا ، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه وقع فيما كان يخافه ، وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال .
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 19 إلى 25 ]
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 )
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 )
ولما ذكّره منة تحمله على الحياء منه ، ذكّره ذنبا هو أهل لأن يخاف من عاقبته فقال مهولا له بالكناية عنه :
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
أي من قتل القبطي ، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه عامله بالحلم تخجيلا له فقال :
الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ
أي والحال أنك
مِنَ الْكافِرِينَ *
أي لنعمتي وحق تربيتي بقتل من ينسب إليّ ، أو عده منهم لسكوته عنهم إذ ذاك ، لأنه لم يكن قبل الرسالة مأمورا فيهم بشيء ، فكان مجاملا لهم ، فكأنه قال : وأنت منا . فما لك الآن تنكر علينا وتنسبنا إلى الكفر ؟
قالَ
مجيبا له على طريق النشر المشوش ، واثقا بوعد اللّه بالسلامة مقرا بما دندن عليه من القتل لأنه لم يكن