تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل ، وبين ذلك غاية البيان ، وفصل الرحمن من عباد الشيطان ، وأخبر أنه عم برسالته صلّى اللّه عليه وسلّم جميع الخلائق ، وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار ، بعد أن قال
فَقَدْ كَذَّبْتُمْ
وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل ، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم ، كما كان في آخر سورة مريم ، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك ، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم بالإيمان ، والحفظ عن نوازل الحدثان ، وكان ذلك أيضا ربما أوجب أن يظن ظان ، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان ، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال
تِلْكَ
أي الآيات العالية المرام ، الحائزة أعلى مراتب التمام ، المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم
آياتُ الْكِتابِ
أي الجامع لكل فرقان
الْمُبِينِ *
أي الواضح في نفسه أنه معجز ، وأنه من عند اللّه ، وأن فيه كل معنى جليل ، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان ، فصح أنه كما ذكر في التي قبلها ، فإن الإبانة هي الفصل والفرق ، فصار الإخبار بأنه فرقان مكتنفا الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - واللّه الموفق . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين ، وختمت بما ذكر من الوعيد ، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة والسّلام وتأسفه على فوات إيمانهم ، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق ، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسّلام ، وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
- الآيتين ، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه الصلاة والسّلام كقوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
[ الأنعام : 35 ] ،
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ] ،
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 137 ] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ،
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى
وقلّما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السّلام إلا معقبة بقصص موسى عليه السّلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون ، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكرر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر ، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها ، وسيوضح هذا في التفسير بحول اللّه ؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مع أممهم على الطريقة المذكورة ، وتأنيسا له عليه الصلاة