[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 6 إلى 10 ]
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 )
ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال :
فَقَدْ
أي فتسبب عن هذا الفعل منهم أنهم قد
كَذَّبُوا
أي حققوا التكذيب وقربوه كما تقدم آخر تلك ، واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا .
ولما كان التكذيب بالوعيد سببا في إيقاعه ، وكان حالهم في تكذيبهم له صلّى اللّه عليه وسلّم حال المستهزىء لأن من كذب بشيء خف عنده قدره ، فصار عرضة للهزء ، قال مهددا :
فَسَيَأْتِيهِمْ
سببه بالفاء وحققه بالسين ، وقلل التنفيس عما في آخر الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع . وأنه ليس موضعا للتكذيب بوجه
أَنْبؤُا
أي عظيم أخبار وعواقب
ما
أي العذاب الذي
كانُوا
أي كونا كأنهم جبلوا عليه
بِهِ
أي خاصة لشدة إمعانهم في حقه وحده
يَسْتَهْزِؤُنَ *
أي يهزؤون ، ولكنه عبر بالسين إشارة إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك الهزء حال الطالب له ، وقد ضموا إليه التكذيب ، فالآية من الاحتباك : ذكر التكذيب أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والاستهزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا .
ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد والخضوع موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلا عن الاستهزاء ، وكان قد تقدم آخر تلك الحثّ على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان التقدير : ألم يروا إلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة وضارة كالأمطار والصواعق ، عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجبا منهم :
أَ وَلَمْ يَرَوْا .
ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك ، عبر للدلالة عليه بحرف الغاية فقال :
إِلَى الْأَرْضِ
أي على سعتها واختلاف نواحيها وتربها ؛ ونبه على كثرة ما صنع من جميع الأصناف فقال :
كَمْ أَنْبَتْنا
أي بما لنا من العظمة
فِيها
بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات بها
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
أي صنف مشاكل بعضه لبعض ، فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه
كَرِيمٍ *
أي جم المنافع ، محمود العواقب ، لا خباثة فيه ، من الأشجار والزروع وسائر النباتات على اختلاف ألوانها في زهورها وأنوارها ، وطعومها وأقدارها ، ومنافعها وأرواحها - إلى غير ذلك من أمور لا يحيط بها حدا ولا يحصيها عدا ، إلا الذي خلقها ، مع كونها تسقى بماء واحد ؛ والكريم وصف لكل ما يرضى في بابه ويحمد ، وهو ضد اللئيم .