المتابعة واحدة ، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس ، فقالوا :
إِماماً *
أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة ، لنحوز الأجر العظيم ، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله « من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 1 » وعكسه .
ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة ، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه . وقال الرازي :
فوصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم . تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين ، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال :
أُوْلئِكَ
أي العالو الرتبة ، العظيمو المنزلة . ولما كان المقصود إنما هو الجزاء ، بني للمفعول قوله :
يُجْزَوْنَ
أي فضلا من اللّه على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية ، والأحوال الصافية
الْغُرْفَةَ
أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها ، لأنها منتهى الطلب ، وغاية الأرب ، لا يبغون عنها حولا ، ولا يريدون بها بدلا ، وهي كل بناء عال مرتفع ، والظاهر أن المراد بها الجنس .
ولما كانت الغرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن ، رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء فقال :
بِما صَبَرُوا
أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم ، وغير ذلك من معاني جلالهم .
ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة ، قال :
وَيُلَقَّوْنَ
أي يجعلهم اللّه لاقين بأيسر أمر ؛ وعلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح
فِيها تَحِيَّةً
أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض ، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ، ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن اللّه ينطقون ، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان
وَسَلاماً
أي من اللّه ومن الملائكة وغيرهم ، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب .
ولما كان هذا ناطقا بدوام حياتهم سالمين بصريحه ، وبعظيم شرفهم بلازمه ، دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله :
خالِدِينَ فِيها
أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ؛ ودل على علو أمرها ، وعظيم قدرها ، بإبراز مدحها في مظهر
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 357 و 358 ومسلم 1017 والنسائي 5 / 75 والترمذي 2675 وابن ماجة 203 والطبراني 2375 عن جرير رضي اللّه تعالى عنه من حديث طويل .