تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار ، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفورا ، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعا على الوحدانية على غاية من الظهور ، لا يحتاج إلى فكر ، بل تحصل بأدنى التفات
أَوْ أَرادَ شُكُوراً *
أي شكرا بليغا عظيما لنعم اللّه لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمنا ، بسبب ما أنعم به ربه من الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته ، ولو جعل أحدهما دائما لفاتت مصالح الآخر ، ولحصلت السآمة به ، والملل منه ، والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات ، والكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر ، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير . ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان ، ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه ، إيذانا بإهانتهم لهوائهم عنده ، وهم الذين صرح بهم قوله أول السورة
نَذِيراً
وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه ، وأشار إليهم سابقا بتخصيص الوصف بالفرقان ، فأتبع ذلك ذكرهم ، فقال عاطفا على جملة الكلام في قوله
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ
لكنه رفعهم بالابتداء تشريفا لهم :
وَعِبادُ
ويجوز أن يقال ولعله أحسن : إنه سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعداوتهم له ، ومظاهرتهم على خالقهم ، ونحو ذلك من جلافتهم ، وختم بالتذكر والشكر ، وكان التقدير : فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون ، لما لهم من القسوة ، عطف على هذا المقدر أضدادهم ، واصفا لهم بأضداد أوصافهم ، مبشرا لهم بضد جزائهم ، فقال : وعباد
الرَّحْمنِ
فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده ، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرا لهم ؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود ، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير ، فقال :
الَّذِينَ يَمْشُونَ
وقال :
عَلَى الْأَرْضِ
تذكيرا بما هم منه وما يصيرون إليه ، وحثا على السعي في معالي الأخلاق للترقي عنه ، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه ، فقال :
هَوْناً
أي ذوي هون ، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع ، لا يؤذون أحدا ولا يفخرون ، رحمة لأنفسهم وغيرهم ، غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية ، فبرؤوا من حظوظ الشيطان ، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك ، والأحسن أن يجعل هذا خبر « العباد » ، ويكون
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ
[ الفرقان : 75 ] استئنافا متشوفا إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة .