ولما ذكر ما أثمره لهم العلم من الفعل في أنفسهم ، أتبعه ما أنتجه الحلم من القول لغيرهم فقال :
وَإِذا
دون « إن » لقضاء العادة بتحقق مدخولها ، ولم يقل : والذين كبقية المعطوفات ، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى التواضع
خاطَبَهُمُ
خطابا ما ، بجهل أو غيره وفي وقت ما
الْجاهِلُونَ
أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة
قالُوا سَلاماً *
أي ما فيه سلامة من كل سوء ، وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب ، قال : لأن الآية فيما زعم مكية ، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ، ولكنه على قولك : تسلما لا خير بيننا وبينكم ولا شرا - انتهى . فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها ، لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة ، وأسلم للعرض والورع ، وكأنه أطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر قول الجاهل الجهل .
ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل ، وكان الغالب على ذلك أن يكون جلوة نهارا ، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلا ، وذكر هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو ، تنبيها على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد لعظم خطرها ، وكبر أثرها ، فقال :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ
من البيتوتة : أن يدركك الليل نمت أو لم تنم ، وهي خلاف الظلول ؛ وأفاد الاختصاص بتقديم
لِرَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم برحمانيته ، يحيون الليل رحمة لأنفسهم ، وشكرا لفضله .
ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريبا إلى اللّه ، لكونه أنهى الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون ، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة فقال :
سُجَّداً
وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقا لأن السجود على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة ، فقال :
وَقِياماً *
أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين من التكبر عن السجود ، بل كانوا - كما قال الحسن رحمه اللّه : نهارهم في خشوع ، وليلهم في خضوع .
ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق ، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم ، بل هم وجلون ، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي كذب بها الجاهلون
يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
[ المؤمنون : 60 ] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماما بدرء المفسدة ، وإشعارا بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا ، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أي أيها المحسن إلينا
اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ
الذي أحاط بنا لاستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك ، بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه ، لا بالتجهم ، ثم علل سؤالهم بقولهم :
إِنَّ
عذابهما
كانَ
أي كونا جبلت عليه
غَراماً *
أي هلاكا وخسرانا ملحا