بهداية ربه كان لي مثل أجره ، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا ، فإن سميتم هذا أجرا فهو مطلوبي ، ولا مرية في أنه لا ينقص أحدا شيئا من دنياه ، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني ، فأفاد هذا فائدتين : إحداهما أنه لا طمع له أصلا في شيء ينقصهم ، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا لنفسه .
ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم ، وكان ذلك في غاية الصعوبة ، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم ، عطف على « قل » قوله :
وَتَوَكَّلْ
أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله ، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار ، وفي ردهم عن عنادهم .
ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عينا محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلا ، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلا لذلك فقال :
عَلَى الْحَيِّ
ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها .
ولما كان الأحياء من الخلق يموتون ، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال :
الَّذِي لا يَمُوتُ
أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلا ، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته ، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك
وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ
أي نزهه عن كل نقص مثبتا له كل كمال .
ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره ، أو غير عالم بذنوب خصمه ، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن ، وما يتبع ذلك من الأذى ، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فكفى به لك نصيرا ، وعطف عليه :
وَكَفى
وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال :
بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ
أي وكل ما سواهم عباده
خَبِيراً *
لا يخفى عليه شيء منها وإن دق ، ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أي على عظمهما
وَما بَيْنَهُما
من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
[ الملك : 14 ] وقوله :
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
تعجيب للغبي الجاهل ، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد اللّه في دعوتهم إلى اللّه ، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم ، والمراد مقدار ستة من أيامنا ، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس ، والإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة ، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك ، هو الإيمان ، وجعل اللّه