ولما كان القرآن قائدا ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان ، دل على أن المتخلف عنه إنما هو معاند بقوله :
فَأَبى
أي لم يرد
أَكْثَرُ النَّاسِ
أي بعنادهم
إِلَّا كُفُوراً *
مصدر كفر مبالغا فيه .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 56 ]
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 )
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 )
ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيرا ، ربما أثار في النفس طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصا على هدايتهم ، فأومأ أولا إلى أنه لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى عليهما السّلام لم تغن عن القبط شيئا ، وثانيا بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز ، وكان ذلك موجودا في آيات القرآن ، المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان ، فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير ، قال مشيرا إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا
أي بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة
فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً *
أي من البشر أو الملائكة أو غيرهم من عبادنا ، كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله لنا ، ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق ، ولا ولد يمنع بما له من الدلة ، ولكنا لم نفعل لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك ، ولما في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
فيما قصدوا من التفتير عن الدعاء به ، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة ، أو من القلق من صادع الإنذار ، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك
وَجاهِدْهُمْ
أي بالدعاء
بِهِ
أي القرآن الذي تقدم التحديث عنه في
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ
[ الفرقان : 5 ] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة ، والاحتجاج ببراهينه
جِهاداً كَبِيراً *
جامعا لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة ، لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك ، فيتقوى أمرك ، ويعظم خطبك ، وتضعف شوكتهم ، وتنكسر سورتهم .
ولما ذكر تصريف الفرقان ، ونشره في جميع البلدان ، بعد إثارة الرياح ونشر السحاب ، وخلط الماء بالتراب ، لجمع النبات وتفريقه ، أتبعه - تذكيرا بالنعمة ، وتحذيرا من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم امتزاجا منه ، وجمع كل نوع